إطلاق مبادرة لمواجهة ظاهرة الإجهاد النفسي عقب دراسة تؤكد أن 52% من الموظفين بكوا بسبب ضغوط العمل في النمسا

النمسا ميـديـا – فيينا:

تطلق هيئة الإذاعة والتلفزيون النمساوية (ORF) يوم السبت، بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية، مبادرتها التوعوية الشاملة “Bewusst Gesund” المخصصة لمواجهة الإجهاد والضغط النفسي في بيئة العمل، وذلك في ظل تحذيرات متزايدة من التبعات الصحية الخطيرة للضغط المستمر وارتفاع معدلات التغيب عن العمل بين الموظفين في النمسا. وتستهدف المبادرة، التي تمتد من 10 إلى 17 أكتوبر عبر كافة منصات ORF، تسليط الضوء على الأسباب والحلول المتاحة للشركات والعاملين للحد من الضغوط المهنية والنفسية.

أرقام صادمة ودوافع الضغط النفسي

وأظهرت دراسة حديثة أعدتها مؤسسة تقديم الخدمات الصحية “Mavie” في سبتمبر الماضي أن نحو ثلثي المواطنين في النمسا يشعرون بالإجهاد بشكل متكرر أو متكرر جداً. وكشفت البيانات أن 83% من المشاركين يواصلون الذهاب إلى العمل رغم معاناتهم من الإرهاق الذهني والنفسي، فيما صنف 60% منهم الوظيفة والعمل كأكبر عامل مسبب للإجهاد. وتؤكد هذه الأرقام أن الضغط النفسي لم يعد قضية هامشية، بل بات مشكلة رئيسية في بيئات العمل، تضاف إليها أسباب أخرى كالمخاوف المالية، والأعباء العائلية، والعوامل البيئية مثل الضوضاء والحرارة الشديدة.

التأثيرات الصحية للإجهاد المزمن

ورغم أن علامات الإجهاد وضغط العمل قد لا تكون مرئية في كثير من الأحيان، إلا أن تأثيراتها قد تكون جسيمة؛ حيث يؤدي الضغط المستمر إلى اضطرابات النوم، والتقلبات المزاجية وسرعة الغضب، والشعور بالإرهاق، وضعف التركيز، إلى جانب أعراض جسدية مثل أمراض القلب والأوعية الدموية وضعف جهاز المناعة. وفي حين أن جسم الإنسان مصمم للتعامل مع الضغوط قصيرة الأمد، فإن الإجهاد المزمن يتسبب في عواقب صحية خطيرة طويلة المدى.

تزايد الأعباء المهنية وضغوط الوقت

وسجل مؤشر مناخ العمل التابع لغرفة العمال في النمسا العليا (AK Oberösterreich) ارتفاعاً ملحوظاً في الضغوط النفسية لدى الموظفين خلال السنوات الأخيرة، موضحاً أن أعباء العمل في النمسا ارتفعت بشكل كبير وبقيت عند مستويات مرتفعة، ولا سيما ضغوط الوقت والإنهاك النفسي اللذين تؤثران سلباً على بيئة العمل. وأوضحت الغرفة أن أكثر القطاعات تأثراً هي الرعاية الصحية، والسياحة، وقطاع البناء، إضافة إلى فئة الشباب العاملين، مما يؤدي إلى زيادة الإجهاد والمشاكل الصحية، ويدفع العديد منهم للرغبة في تغيير مهنهم.

الحدود العاطفية وردود الفعل في مكان العمل

وفي استطلاع رأي أجرته منصة “karriere.at” بين 16 مارس و1 مايو 2026 وشمل 2,235 مستخدماً، أفاد 52% من المشاركين بأنهم بكوا مرة واحدة على الأقل بسبب ضغوط العمل، بينما أقر 64% بتعرضهم لنوبات غضب في مكان العمل. وأوضح 31% من المستجوبين أنهم يصلون إلى أقصى حدود طاقتهم العاطفية والنفسية عدة مرات في الشهر، بينما يصل ثلث آخر إلى هذه الحدود عدة مرات في السنة. وحول سبل الدعم المأمولة، طالب 34% بتقليل أعباء العمل، ودعا 32% إلى إجراء محادثات دورية مع الإدارة، و28% إلى تعزيز التواصل والتبادل داخل فرق العمل.

ارتفاع طلبات الاستشارة وتغيب الموظفين

وسجلت مبادرة “fit2work” الحكومية ارتفاعاً كبيراً في طلبات الاستشارة المخصصة للأفراد والشركات لمواجهة المشاكل الصحية التي تهدد الاستقرار الوظيفي؛ حيث استقبلت المبادرة في عام 2025 نحو 27,000 استشارة أولية (Erstberatung)، مقارنة بنحو 14,000 استشارة في عام 2020. وتمر الاستشارة عبر تقييم صحي ونفسي (Basischeck) ثم إدارة الحالة (Case Management). وأكدت المبادرة أن ارتفاع معدلات التغيب عن العمل يمثل “شارة تحذير صريحة” داخل المؤسسات.

تحليل الإجازات المرضية وأسبابها

ووفقاً لتقرير التغيب عن العمل الصادر عن المعهد النمساوي للبحوث الاقتصادية (WIFO)، شهد عام 2025 تغيب 69.1% من الموظفين في النمسا بسبب الإجازات المرضية، بمعدل 14.7 يوماً تقويمياً لكل موظف (بانخفاض قدره 2.7% مقارنة بعام 2024). وتعود أكثر من نصف أيام الإجازات المرضية إلى أمراض الجهاز التنفسي، والجهاز العضلي الهيكلي، والإصابات وحالات التسمم. غير أن الاضطرابات والأمراض النفسية شكلت 11.8% من إجمالي أيام الإجازات المرضية لعام 2025، وتتميز بتسببها في فترات غياب أطول بكثير، علماً بأن نسبتها ارتفعت بشكل لافت من نحو 7% عام 2010 إلى 11.8% في 2025.

توصيات للوقاية واستعادة التوازن الوظيفي

وأوضحت مبادرة “fit2work” أن الضغط قصير الأمد قد يساعد في التكيف مع المواقف الطارئة، لكنه يصبح خطراً على الصحة إذا استمر لفترات طويلة دون فترات راحة واستعادة عافية كافية. وتوصي المبادرة بأخذ استراحات قصيرة منتظمة بعيداً عن الشاشات والهواتف الذكية (مثل المشي القصير أو التمدد)، وممارسة النشاط البدني وتناول غذاء صحي، إضافة إلى الوقوف أثناء المكالمات الهاتفية. ولتحقيق التوازن بين العمل والحياة الشخصية (Work-Life-Balance)، تشدد المبادرة على ضرورة وضع حدود صارمة كالتزام ساعات عمل محددة، وعدم الرد على الاتصالات في أوقات الفراغ، وترتيب المهام حسب الأولوية والأهمية، إلى جانب الاستفادة من الدعم الاجتماعي والتحدث المفتوح مع الزملاء حول التحديات والمخاوف.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى