احتجاج حاشد للقضاة والمدعين العامين في فيينا تحذيراً من انهيار المنظومة القضائية

النمسا ميـديـا – فيينا:
نظم 485 من القضاة وأعضاء النيابة العامة في النمسا، يوم الأربعاء، احتجاجًا حاشدًا في محكمة Wiener Landesgericht für Strafsachen بالعاصمة فيينا، لتسليط الضوء على النقص الحاد في الكوادر البشرية والضغط المفرط الذي تعاني منه المنظومة القضائية. وقد عبّر المشاركون بصوت عالٍ عن استيائهم من تفاقم أزمة نقص الموظفين وتأثيرها المباشر على سير العدالة وسرعة البت في القضايا.
“استنزاف كامل للقدرات ونقص حاد في الكوادر”
شهدت الفعالية إقبالاً كبيراً أدى إلى امتلاء القاعة الكبرى لمجلس المحلفين (Großen Schwurgerichtssaal)، ما اضطر القائمين إلى فتح القاعتين 103 و303 الإضافيتين لاستيعاب المحتجين. وخلال الاحتجاج، صرح Jürgen Exner، رئيس محكمة Bezirksgericht Liesing وعضو مجلس إدارة جمعية القضاة، قائلاً: “لقد تم عصر الليمونة حتى آخر قطرة”، مشيراً إلى أن نسبة أداء محكمته وصلت إلى 135% من طاقتها الاستيعابية. وأوضح أن إحدى زميلاته استقالت مؤخراً بسبب ضغط العمل المفرط، بينما تستعد أخرى للتقاعد، مؤكداً نقص 52 وظيفة قاضٍ في مجمل مدينة فيينا. في المقابل، أشار Exner إلى أن عدد الأكاديميين في وزارة العدل ارتفع بنسبة 58% منذ عام 2016، كما زاد عدد موظفي المكاتب الوزارية (Kabinettsmitarbeiter) في الحكومات الاتحادية بنسبة 123% خلال السنوات العشر الماضية.
“تآكل ركائز دولة القانون”
من جانبه، أكد Andreas Isep، المدعي العام في النيابة العامة بفيينا منذ عام 2019 ونائب رئيس جمعية المدعين العامين النمساويين (Vereinigung Österreichischer Staatsanwältinnen und Staatsanwälte)، أن “ركيزة دولة القانون بدأت بالتآكل”. وأوضح أن هناك نقصاً إجمالياً على مستوى النمسا يُقدَّر بـ 70 مدعياً عاماً و250 قاضياً. وأضاف أنه في ظل هذا “النقص الحاد في الكوادر”، أصبح من المستحيل التعامل مع الإجراءات القضائية المتزايدة التعقيد والمتطلبة. وشدد Isep وسط تصفيق الحضور على أن السلك القضائي لن يقبل بـ “موت صامت”، مضيفاً بنبرة حاسمة: “سنحرص على ألا يحدث ذلك”.
“جبال من الملفات وضغوط مستمرة”
وأوضحت Susanne Schneider، المدعية العامة في فيينا منذ عام 2012، أنها تتلقى ما يصل إلى ثمانية إجراءات تحقيق جديدة يومياً على مكتبها، وتضطر لمراجعة بلاغات تتألف من مئات الصفحات صُمم الكثير منها باستخدام الذكاء الاصطناعي (KI). وذكرت Schneider أن القضاة والمدعين العامين أصبحوا “مسحوقين تحت جبال من الملفات”، وأن عجلة العمل تدور بسرعة متزايدة، مشيرة إلى أن استمرار العمل أصبح مرهوناً بالعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع والإجازات، وقالت: “مثلما يحزم المرء فرشاة أسنانه، فإنه يحزم أيضاً حاسوب العمل المحمول”.
“العمل بنظام الفرز وتراجع جودة الأحكام”
وأضافت Schneider أن العمل يتم في بعض الأحيان بنظام “الفرز” (Triage)، حيث يضطر المسؤولون لتحديد أولويات القضايا وفقاً لتقييم أولي ومدى إلحاحها، محذرة من أنه “إذا استمر الوضع على هذا النحو، فإن أمن الجميع سيكون في خطر”.
وفي سياق متصل، أكدت Eva Hopf، نائبة رئيس محكمة العمل والقضايا الاجتماعية في فيينا (Wiener Arbeits- und Sozialgericht – ASG)، أن جودة العمل بدأت تتأثر سلباً، قائلة: “بسبب تراكم القضايا، لم يعد هناك وقت كافٍ للتحضير المناسب للجلسات. اليوم يتكون من 24 ساعة فقط، وهذا أمر محبط بالنسبة لي ويعد إجحافاً بحق أطراف النزاع”. وأشارت Hopf إلى أن الدعاوى المتعلقة بإعانة الرعاية (Pflegegeld) في محكمة ASG تظل معلقة لمدة تصل إلى عام قبل تحديد موعد للجلسة بسبب نقص القضاة، كاشفة عن حادثة مؤلمة حيث “توفي أحد المطالبين بإعانة الرعاية الأسبوع الماضي بينما كانت إجراءات قضيته لا تزال جارية”.