“الثورة الذهنية” تسلط الضوء على “التعليم الاكسبريس” وإعادة تشكيل العقل البشري في عصر الذكاء الاصطناعي

النمسا ميـديـا – فيينا:
سلطت حلقة جديدة من برنامج “الثورة الذهنية”، التي قدمها الإعلامي علي الحسن واستضاف فيها الخبير والمتخصص الدكتور منصور الجنادي، الضوء على مفهوم “التعليم الاكسبريس” بوصفه استجابة حتمية للتغيرات التكنولوجية المتسارعة وظهور الذكاء الاصطناعي وقدرته على التعلم الذاتي وتطوير مناهجه، مؤكدة أن التحول الراهن يتجاوز السرعة المجردة ليطرح رؤية شاملة لإعادة تشكيل المنظومة التعليمية وتأهيل العقل البشري لصناعة القرارات السليمة بدلاً من مجرد التلقين وتحصيل المعلومات التي أضحت الآلة تختزنها وتتقن استخدامها.
استعارة “السمكة والصيد” ومأزق المنظومة التعليمية التقليدية
واستعرض الدكتور منصور الجنادي خلال اللقاء استعارة منهجية تشبه “السمكة والصيد” لتفكيك جوهر الواقع الجديد؛ حيث تمثل “السمكة” التحدي المفهومي وكيفية التكيف مع التحولات الجذرية والتكنولوجية، بينما يمثل “الصيد” المنهج والفكر المعرفي المطلوب لاستمرار الإنسان وفاعليته. وأوضح التقرير أن التعليم التقليدي الموروث من العصر الصناعي يقف عاجزاً أمام متطلبات “الثورة الذهنية” نتيجة اعتماده على الحفظ والتكرار لتخريج كوادر تنفذ مهاماً روتينية، في حين فرض الذكاء الاصطناعي “تطوراً انقطاعياً” (Disruptive Development) يستدعي الانتقال نحو تعليم يستند إلى الفلسفة الابستمولوجية، والفكر النقدي، وعلم الأعصاب لتأهيل الإنسان لاتخاذ القرارات السليمة واستخدام التكنولوجيا بوعي دون الخضوع لسلطتها.
تداخل خطير بين “ميكنة الإنسان” و”أنسنة الآلة”
وحذرت الحلقة من مسارين متوازيين يتسمان بالخطورة على مستقبل السلوك البشري؛ الأول هو “ميكنة الإنسان” الناجمة عن تحول المعاملات اليومية والأنشطة البنكية والتعليمية إلى النمط الرقمي عبر الشاشات، ما يجبر الفرد على التصرف بدقة آلية صارمة تفقده التفكير المهل والتأمل الطبيعي الذي كان يتمتع به الإنسان سابقاً. وفي المقابل، يبرز مسار “أنسنة الآلة” مع اكتساب الروبوتات والأنظمة الذكية سمات بشرية متزايدة وقدرة على التعلم الذاتي والمشاركة في تصنيع آلات أخرى داخل المصانع، لتتحول الآلة من مجرد أداة منفذة إلى موقع “الصانع” المستقل.
البيولوجيا العصبية للذاكرة وآليات الحد من النسيان
وفيما يتعلق بالجانب البيولوجي العصبي، أكد الدكتور منصور الجنادي أن النسيان والذاكرة هما ظاهرة عصبية كيميائية مرتبطة بالتغيرات التي تطرأ على الخلية العصبية عند التلقي. ولتثبيت الذاكرة والحد من النسيان، استعرضت الحلقة ثلاث آليات رئيسية: توفير عنصر الوقت والراحة عقب التلقي لمنح الخلية العصبية فرصة التخزين الكيميائي، تحقيق الترابط المعرفي عبر ربط المعارف الجديدة بسياقات وخبرات مسبقة لدى المتعلم، وتفعيل الفكر النقدي والتساؤل للتحول من التلقين إلى الشك والتمحيص والتعلم باللعب بما يجعل المعلومة جزءاً أصيلاً من البنية الذهنية.
سيكولوجية اتخاذ القرار ووظيفة المخ البيولوجية
وعلى صعيد تحليل سيكولوجية اتخاذ القرار استناداً إلى نموذج عالم النفس Daniel Kahneman، أوضحت الحلقة وجود نمطين للتفكير؛ “التفكير السريع” المنقاد بالعواطف في القرارات قليلة المخاطر، و”التفكير البطيء” التحليلي العقلاني المخصص للقرارات المصيرية الكبرى (مثل الشراء أو الزواج والطلاق) لتخفيض نسبة الخطأ عبر ممارسة “شرطي الوعي”. وأشار التحليل إلى حقيقة بيولوجية محورية تفيد بأن المخ البشري لم يُخلق بالأساس لاتخاذ القرارات المنطقية أو السياسية أو الاقتصادية المثالية، بل هو مصمم بيولوجياً لخدمة هدف رئيسي وحاسم وهو “البقاء البيولوجي”.
سد الفجوة الحضارية وتحديات “اختراق الأذهان” والتوصيات
وتناولت الحلقة الفجوة المعرفية بين العالم العربي والتجارب الغربية والآسيوية المتقدمة (كالصين واليابان وكوريا)، مبينة أن الأخيرة انطلقت من فهم التشريح العصبي للمخ وتأسيس “فلسفة حياة مستقبلية” صريحة للدولة والمجتمع، بعكس النمط العربي الغارق في التعديل العشوائي للمناهج مع كل تغيير وزاري. كما حذرت الحلقة من التهديدات الوجودية للتكنولوجيا وظاهرة “اختراق الأذهان” (Brain Hacking) التي أشار إليها المؤرخ Yuval Noah Harari، حيث يتجاوز الذكاء الاصطناعي اختراق البيانات إلى الانتهاك الكامل للأسرار الذهنية والصحية للبشر. واختتم التقرير بوضع توصيات لصناع القرار تشمل إعلان فلسفة حياة مستقبلية، التحول نحو مهارات صناعة القرار، إقرار حوكمة أخلاقية عالمية لحماية الأذهان، وتكامل علوم الأعصاب والابستمولوجيا في البيئات التعليمية.