لجنة التحقيق النمساوية تفتح ملف التدخلات السياسية في القضاء وتستجوب وزيرات العدل Alma Zadic و Anna Sporrer

النمسا ميـديـا – فيينا:
تستأنف لجنة التحقيق البرلمانية (U-Ausschuss) في العاصمة النمساوية فيينا، يومي الأربعاء والخميس، أعمالها لمواصلة تقصي الحقائق في قضية المسؤول السابق في وزارة العدل Christian Pilnacek بعد انتهاء العطلة الصيفية، حيث يركز حزب الحرية النمساوي (FPÖ) الداعي للجنة في هذه الجولة على استجواب كبار السياسيين والمسؤولين، وفي مقدمتهم وزيرة العدل السابقة Alma Zadic ووزيرة العدل الحالية Anna Sporrer، للوقوف على مدى وجود نفوذ وضغوط سياسية غير مشروعة داخل منظومة العدالة والقضاء في النمسا.
استجواب الوزراء والمسؤولين عن ملف العدالة
شغلت Alma Zadic منصب وزيرة العدل في النمسا بين يناير 2020 ومارس 2025، بينما توفي Christian Pilnacek في أكتوبر 2023. وخلال فترة تولي Alma Zadic للوزارة، تم إنشاء “لجنة كرويتنر” (Kreutner-Kommission)، وهي الهيئة المكلفة بالتحقيق في الشبهات المتعلقة بالتدخلات السياسية في قطاع العدالة خلال فترة شغل Christian Pilnacek لمنصبه.
وكانت هذه اللجنة برئاسة خبير مكافحة الفساد Martin Kreutner قد خلصت في تقريرها إلى أن رئيس القطاع السابق في وزارة العدل تم تحميله مسؤوليات وصلاحيات فوق طاقته، مما جعله في نهاية المطاف “ضحية للمنظومة” نفسها. ورغم عدم العثور على ما يُسمى “دليل قاطع” (Smoking Gun)، إلا أن اللجنة أكدت وجود تأثير وتدخلات غير ملائمة بالفعل خلال فترة Christian Pilnacek، مشيرة بوجه خاص إلى الخلافات الحادة بينه وبين مدعي عام الجرائم الاقتصادية ومكافحة الفساد (WKStA)، فضلاً عن العلاقات الوثيقة التي جمعت المسؤول رفيع المستوى بعدد من السياسيين.
خلفيات استدعاء Alma Zadic والقرارات الصادرة في عهدها
يأتي استدعاء Alma Zadic بعد انتشار التسجيل الصوتي الشهير الذي تحدث فيه Christian Pilnacek عن وجود تدخلات وضغوط سياسية في عمل القضاء. وكان صاحب التسجيل الصوتى Christian Mattura قد أدلى بشهادته سابقاً أمام لجنة التحقيق كشخص مطلع. وتواجه Alma Zadic أسئلة ترتبط بكونها كانت على رأس الهرم القضائي وصاحبة السلطة العليا في إصدار التعليمات، إضافة إلى الإجابة عن ملابسات قرار تعليق Christian Pilnacek عن العمل (Suspendierung)، وهو القرار الذي اتخذه نائب المستشار آنذاك Werner Kogler أثناء فترة قيامه بأعمال وزارة العدل خلال إجازة الأمومة لـ Alma Zadic.
كما بادرت Alma Zadic خلال توليها للمنصب إلى إجراء إصلاحات هيكلية واسعة داخل الوزارة، شملت تقسيم القطاع الضخم الذي كان يديره Christian Pilnacek وتجريده من جزء كبير من صلاحياته ونفوذه. ومن المقرر أيضاً أن تتناول الجلسات التحقيقات الأمنية والقضائية التي تلت العثور على جثة Christian Pilnacek في أحد فروع نهر دانوب.
قرار نقل التحقيقات وتساؤلات حول شبهات الإجراءات
أما في جلسة يوم الخميس، فتواجه وزيرة العدل Anna Sporrer أسئلة ومساءلات تتركز بشكل أساسي حول قرار نقل ملف التحقيق في وفاة Christian Pilnacek من النيابة العامة في Krems بولاية النمسا السفلى إلى النيابة العامة في Eisenstadt بولاية بورغنلاند، إضافة إلى أسباب حفظ وإغلاق التحقيقات المتعلقة بشبهة إساءة استخدام السلطة ضد اثنين من ضباط الشرطة.
ومن المتوقع أن يعاد طرح هذه النقاط مجدداً أثناء استجواب ممثل آخر عن هيئة الادعاء العام لمكافحة الفساد (WKStA) ونائب رئيس النيابة العامة العليا في فيينا (Oberstaatsanwaltschaft Wien).
قائمة الحضور وغياب بارز لرئيس الوزراء السابق
وتضم قائمة الاستدعاءات التي أعدها الحزب عدداً من كبار القادة والسياسيين النمساويين، وفي مقدمتهم المستشار النمساوي Christian Stocker، والمستشار السابق Karl Nehammer، ووزير الداخلية Gerhard Karner، والرئيس السابق للمجلس الوطني النمساوي Wolfgang Sobotka، إضافة إلى مدير المكتب الفيدرالي للجريمة (Bundeskriminalamt) Andreas Holzer.
في المقابل، استبعد حزب الحرية النمساوي (FPÖ) المستشار النمساوي السابق Sebastian Kurz من قائمة الاستدعاءات حتى الآن، على الرغم من ورود اسمه بشكل متكرر في تفاصيل القضية؛ حيث كان يتولى رئاسة الحكومة في الفترات التي شغلت فيها Alma Zadic منصب الوزيرة وكان Wolfgang Sobotka رئيساً للمجلس الوطني، وكذلك خلال تصاعد الخلافات الحادة بين Christian Pilnacek والادعاء العام لمكافحة الفساد (WKStA).
وأفادت تقارير صحفية نشرتها صحيفة “Standard” بأن Christian Pilnacek واصل الاهتمام والمتابعة لعدد من القضايا المتعلقة بـ Sebastian Kurz حتى أثناء فترة تعليقه عن العمل، ومنها ما يُعرف بـ “قضية الإعلانات” (Inseratenaffäre)، حيث تم العثور على وثيقة في حاسوبه المحمول بعنوان “Strafantrag_SK_Bewertung” تتضمن تحليلات وحججاً قانونية مفصلة.
الاتصال الأخير وسيناريو الانتحار
تُظهر المعطيات أن Sebastian Kurz كان من أواخر الأشخاص الذين تواصلوا هاتفياً مع Christian Pilnacek في المساء الذي سبق وفاته مباشرة. وكان Sebastian Kurz قد صرح بذلك بنفسه، حيث كان يُمثل حينها كمتهم في قضية شهادة الزور أمام لجنة تحقيق “إيبيزا” (Ibiza). وقد علم بوفاة Christian Pilnacek في وقت مبكر جداً عن طريق محاميه، وأكد أنه تحدث معه عبر الهاتف “بالأمس”.
وسارع Sebastian Kurz وقتها إلى التلميح بفرضية الانتحار، على الرغم من أن التحقيقات الإجرائية والأمنية كانت ما تزال جارية ولم تنتهِ بعد. وعلى الرغم من أن حزب الحرية (FPÖ) يمتلك الأغلبية النيابية الكافية لاستدعاء Sebastian Kurz بمفرده دون الحاجة لدعم أحزاب أخرى، إلا أنه لم يدرجه حالياً ضمن الأولوية، مع عدم استبعاد استدعائه لاحقاً. وتضغط المهل الزمنية على عمل اللجنة، حيث لم يتبقَّ سوى أربع جلسات استماع أخرى خلال شهر أكتوبر عقب جلسات هذا الأسبوع، قبل عقد الجلسة الختامية الرسمية في 3 نوفمبر لإنهاء تقديم الأدلة.
تباين حاد في تقييم نتائج عمل لجنة التحقيق
عقدت لجنة التحقيق البرلمانية 25 جلسة واستمعت إلى 39 شهداً ومطلعاً قبل العطلة الصيفية، وسط تباين شاسع في قراءة النتائج بين الأحزاب السياسية النمساوية؛ إذ يرى حزب الحرية (FPÖ) الذي يقود اللجنة وجود أدلة كثيرة تثبت النفوذ السياسي المباشر والتقارب غير المقبول بين سياسيي حزب الشعب النمساوي (ÖVP) وقيادات العدالة والقضاء آنذاك، إضافة إلى وجود ثغرات وأخطاء في عمل الشرطة المحلية بموقع الحدث. وعبر رئيس كتلة حزب الحرية Christian Hafenecker عن وجود انطباع قوي يُرجح استغلال واقعة العثور على الجثة للتخلص من الأجهزة الإلكترونية الخاصة بـ Christian Pilnacek أو الامتناع عن تفحصها بالشكل الكافي.
في المقابل، يتبنى حزب الشعب النمساوي (ÖVP) موقفاً مناقضاً تماماً، مؤكداً أن أعمال اللجنة أثبتت سلامة وصحة كافة الإجراءات المتعلقة بوفاة Christian Pilnacek، وأن الأجهزة الأمنية والقضائية عملت بحيادية وتجرد تامين ودون أي ضغوط.
استعدادات لإطلاق لجنة تحقيق جديدة
وفي سياق متصل، يستعد حزب الحرية النمساوي (FPÖ) لإطلاق لجنة تحقيق برلمانية جديدة تركز هذه المرة على تقييم القرارات والإجراءات الحكومية المتخذة خلال جائحة كورونا (CoV-Pandemic). ومن المتوقع أن تبدأ اللجنة الجديدة أعمالها في الربيع المقبل، حيث ستتولى رئاستها Dagmar Belakowitsch بدلاً من Christian Hafenecker. ومن المقرر تقديم طلب تشكيل اللجنة الجديدة رسمياً عقب تقديم الأحزاب لتقاريرها الختامية بشأن قضية Christian Pilnacek أمام البرلمان.