“مزامير على الضفاف”.. رحلة في عوالم د. إشراقة مصطفى حامد عبر بودكاست “ليالي فيينا”
النمسا ميـديـا – فيينا:
في حلقة استثنائية من برنامج “ليالي فيينا بودكاست”، أدار الإعلامي والناقد علي الحسن حواراً عميقاً وشاعرياً مع الكاتبة والأديبة والشاعرة السودانية المقيمة في النمسا، الدكتورة إشراقة مصطفى حامد. الحلقة التي جاءت تحت عنوان “مزامير على الضفاف”، ومن إنتاج “مؤسسة النمسا ميديا” بإشراف المهندس أحمد مراد، لم تكن مجرد سرد لسيرة ذاتية، بل كانت غوصاً في “سيرة الملح والجرح والضفاف”.
من كوستي إلى فيينا: جغرافيا الروح والذاكرة
استهلت الدكتورة إشراقة حديثها بالكشف عن عشقها القديم للسفر، مؤكدة أنها تميل إلى “الأسفار غير المرئية” المرتبطة بالمجاز والخيالات أكثر من الأسفار المادية. ورغم تطوافها في مدن عديدة، تظل مدينة كوستي السودانية هي المنبع الذي شكل وجدانها، وأسئلتها الأولى، وقصص حبها المبكرة، وهي المدينة التي ترتبط في ذاكرتها بضفاف النيل الأبيض وحركة السفن. أما فيينا، فهي “القلب” والمكان الذي يمنحها الشعور بالأمان، رغم وصفها للحياة في أوروبا بأنها “جحيم الجنة”، إشارةً إلى المعاناة الخفية التي تسبق الوصول إلى مرحلة الجمال والنجاح.
الإعلام والسياسة: مواجهة العسكر بالكلمة
تطرقت الحلقة إلى مسيرة إشراقة المهنية، حيث درست الإعلام رغم تحذيرات والدها من تقلبات السياسة في السودان. وبالفعل، تخرجت في يوم 29 يونيو 1989، ليعقب ذلك الانقلاب العسكري بيوم واحد، مما أدى لاحقاً إلى حرق كتبها وتفتيش منزلها. ورغم عملها في الإذاعة السودانية وتقديمها برامج ناجحة مثل “الإنسان والبيئة”، إلا أنها واجهت تضييقات أمنية مستمرة بسبب انتمائها السياسي المعارض، مما أدى في النهاية إلى إيقاف برامجها ومغادرتها البلاد.
الإبداع الأدبي: طقوس القلب وتجسير اللغات
تحدثت الدكتورة إشراقة عن نتاجها الأدبي، ومن أبرز مجموعاتها “أنثى المزامير” و”أحزان شاهقة” و”أنجبتني الأعاصير”. وأوضحت أن الكتابة بالنسبة لها مرتبطة بـ “طقوس القلب” ومحفزات الحب، مشيرة إلى أن اللغة العلمية في رسالة الدكتوراه الخاصة بها لم تخلُ من لغتها الشعرية، حيث تؤمن بضرورة الربط بين العلم والفنون.
وفي مجال الترجمة، قدمت إشراقة أعمالاً جسرت الهوة بين العربية والألمانية، مؤكدة على فلسفتها في جعل اللغة العربية (لغة البساتين) تؤثر على اللغة الألمانية (لغة الأحجار)، حيث ترى أن الورد يمكن أن ينمو حتى على الحجر الألماني الصارم.
التحول النفسي: نداء الحياة وهزيمة الاكتئاب
من أكثر لحظات الحلقة تأثيراً كان حديثها عن تجربتها مع الاكتئاب وكيفية تعافيها منه. روت إشراقة كيف غيرت رحلة عمل إلى إندونيسيا مفهومها عن الموت، حيث رأت مشهداً لتشييع جنازة مليء بالسلام والتصالح والزهور، مما دفعها لرمي حبوب الاكتئاب نهائياً ومواجهة الحياة بروح جديدة. ومنذ تلك اللحظة، رفعت شعار “النهوض بعد الانكسار”، وأصبحت ترى في الكتابة وسيلة للتشافي والتعافي.
النسوية وحقوق الإنسان: إرث الأب
أوضحت الدكتورة إشراقة أن وعيها النسوي غُرِس بواسطة رجل، وهو والدها، الذي علمها أن “المعرفة لا يُخاف منها بل يُخاف عليها”. وهي تتبنى نسوية إنسانية ترفض “تدوير القهر”، وتعتبر أن منظومة القهر واحدة سواء وقعت على الرجل أو المرأة. كما تحدثت عن نشاطها في الدفاع عن حقوق النساء المهاجرات ومصطلح “النساء السود” كموقف سياسي لمقاومة التمييز والعنصرية.
خاتمة: الشغف الذي لا يعرف الشيخوخة
اختتمت الحلقة برسالة تفاؤل، حيث أكدت إشراقة أن الحب والإبداع لا تنتهي صلاحيتهما بتقدم العمر. وأشارت إلى أن “العمر الخلاق” هو الذي يبقي الإنسان في حالة يفاعة مستمرة، طالما أنه يستجيب لنداءات الحياة ويحافظ على قلبه في حالة حب دائمة، مؤكدة أنها لا تشعر بالندم على أي تجربة عاشتها، فكل تجربة كانت ضرورية للنضج.