سوريا للجميع.. قراءة نقدية في تصريحات المطران جاك مراد في فيينا وحقيقة المعاناة السورية

النمسا ميـديـا – فيينا:

إلى سيادة المطران جاك مراد، بكل احترام: استمعت إلى حديثكم عن معاناة المسيحيين في سوريا، ولا أحد ينكر أن أي اعتداء على المسيحيين، أو على أي مكوّن سوري، هو أمر مرفوض ومدان، ويجب أن يُواجه بالقانون والعدالة.

لكن ما أثار استغرابي هو أن حديثكم في فيينا بدا وكأن مأساة سوريا بدأت اليوم، بينما يعرف العالم أن سوريا عاشت نحو ستة عقود تحت حكم حزب البعث، وأكثر من خمسة عقود تحت حكم عائلة الأسد، وهي سنوات شهدت انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، وقمعًا للحريات، واعتقالات، وتعذيبًا، ومجازر، وتهجيرًا، واستخدامًا للأسلحة الكيميائية وفق ما وثقته منظمات دولية، إضافة إلى تدمير مدن وبلدات كاملة.

أين كان هذا الخطاب عندما دُمّرت حماة في ثمانينيات القرن الماضي؟ وأين كان عندما دُمّرت حمص، وهي مدينتكم، وتحولت أحياء كاملة فيها إلى أنقاض؟ وأين كان عندما سُويت الغوطة بالأرض، وقُصفت حلب وإدلب ودرعا، وهُجّر ملايين السوريين من بيوتهم؟

لقد نزح السوريون وهربوا من وطنهم على مدى سنوات طويلة، ولم يكن المسيحيون وحدهم من غادروا البلاد، بل هاجر المسلم والمسيحي، والسني والعلوي، والدرزي والإسماعيلي والكردي والآشوري والأرمني. لقد فرّ أكثر من نصف الشعب السوري من الحرب والقمع وانهيار مقومات الحياة.

لذلك، عندما يُقال اليوم إن المسيحيين لا ينبغي أن يعودوا إلى سوريا، يبرز سؤال مشروع: لماذا يُخصَّص المسيحيون بهذا الحديث؟ أليست قضية الأمن والاستقرار قضية جميع السوريين؟ أليس حق العودة حقًا لكل مواطن سوري، بغض النظر عن دينه أو طائفته؟

كما أن ربط الأزمة الاقتصادية بالحكومة الحالية وحدها لا يعكس الصورة الكاملة. فسوريا ورثت اقتصادًا منهكًا بعد سنوات طويلة من الحرب والعقوبات والفساد والانهيار. وارتفاع الأسعار ليس ظاهرة سورية فقط، بل تشهده دول كثيرة حول العالم، وإن كانت الأزمة في سوريا أشد عمقًا بسبب تراكمات امتدت لعقود.

وللتوضيح، فإن هذا الكلام ليس دفاعًا عن أي سلطة، ولا تبريرًا لأي تقصير أو انتهاك يقع اليوم. فأي اعتداء على أي مواطن سوري يجب أن يُدان، وأي حكومة تتحمل مسؤولية حماية جميع المواطنين دون تمييز.

لكن العدالة تقتضي أيضًا ألا نختزل مأساة سوريا في مرحلة واحدة، وألا نتجاهل عقودًا طويلة من القمع والاستبداد والدمار التي دفعت ملايين السوريين إلى مغادرة وطنهم.

لقد زرت سوريا أكثر من مرة بعد التغيير السياسي، ورأيت بعيني أن كثيرًا من السوريين يتحدثون عن شعورهم باستعادة جزء من كرامتهم وحريتهم، رغم استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية الكبيرة. وهذه تجربة لا تُلغي وجود المخاوف أو المشكلات، لكنها أيضًا جزء من الصورة التي تستحق أن تُروى.

إن سوريا لا تحتاج إلى خطاب يُبرز معاناة فئة ويُغفل معاناة بقية السوريين، بل تحتاج إلى خطاب وطني جامع، يعترف بآلام الجميع، ويطالب بالعدالة للجميع، ويؤكد أن دم السوري وكرامته لا يختلفان باختلاف دينه أو طائفته أو قوميته.

فالمسيحيون ليسوا غرباء عن سوريا، كما أن المسلمين ليسوا غرباء عنها. وسوريا لن تُبنى إلا بجميع أبنائها، ولن يستعيدها أحد بمفرده، بل باستعادة الحقيقة كاملة، لا جزءا منها

د. تمام كيلاني

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى