من العزل والعنف الأسري إلى البناء.. سورية في فيينا تتجاوز الصعاب وتستعد لدخول سوق العمل النمساوي عبر التدريب المهني
النمسا ميـديـا – فيينا:
سلطت سلسلة “Hier Angekommen” (وصلوا إلى هنا) الصادرة عن منظمة “SOS Mitmensch” الضوء على قصة السيدة السورية شيرين (41 عاماً)، والتي تحدثت عن تجربتها كاملة منذ فرارها حاملاً من سوريا عام 2016، ومواجهتها للعزل والعنف الأسري في فيينا، وصولاً إلى تمكنها من بناء حياة مستقلة كأم عزباء تتولى كامل المسؤولية عن أطفالها الثلاثة.
الفرار من سوريا والعزلة في فيينا
وصلت شيرين إلى النمسا عام 2016 وهي في الشهر الثامن من الحمل بتوأم (بنت وولد)، حيث نُقلت مباشرة فور وصولها إلى المستشفى في سالزبورغ لوضع طفليها. وبعد قضاء ثلاثة أسابيع في المستشفى، انتقلت إلى فيينا للعيش مع زوجها الذي كان يكبرها بـ 30 عاماً وكان يقيم هناك منذ فترة. وعانت شيرين من عزلة تامة فرضها عليها زوجها؛ حيث منعها من الخروج، وتعلم اللغة الألمانية، والالتقاء بأي شخص، إضافة إلى تعرضها للعنف الأسري من قبله، وسرعان ما أصبحت حاملاً بطفلها الثالث (ابنها الأصغر).
صدمة اختفاء الزوج وسجنه ودعم مكتب رعاية الأطفال (Jugendamt)
اختفى الزوج فجأة، لكتشف شيرين لاحقاً أنه كان متزوجاً من عدة نساء غيرها، وأنه أُدخل السجن بسبب ارتكابه اعتداءً على ابنة إحدى زوجاته. تسبب ذلك بصدمة كبيرة لشيرين ولأطفالها، وقامت في البداية بإخبارهم أنه توفي لعدم معرفتها كيفية شرح الحقيقة لهم، قبل أن تخبرهم بالواقع لاحقاً، مع انقطاع التواصل معه تماماً منذ ذلك الحين.
واجهت شيرين ظروفاً قاسية جداً بوجود ثلاثة رضع دون معرفة باللغة الألمانية ودون أي دخل، إضافة إلى تعرضهم للطرد من الشقة لعدم دفع الزوج للإيجار. وقدم مكتب رعاية الأطفال والشباب (Jugendamt) مساعدة محورية لها؛ حيث دعمها في إجراءات الطلاق، وتحصيل مستحقاتها من مكتب الشؤون الاجتماعية (Sozialamt)، وتأمين شقة جديدة للأسرة.
التحول عبر مبادرة “Nachbarinnen” وتجاوز الصعاب
شكل قبول شيرين في قائمة الانتظار لمبادرة “Nachbarinnen” (الجارار) — وهي مبادرة توفر دعماً للنساء بلغاتهن الأم حلولاً لمختلف المشاكل — نقطة تحول رئيسية في حياتها. ومن خلال المبادرة، التقت بنساء خضن تجارب مماثلة، وشاركت في برنامج “women-know-how” المخصص لتدريب النساء على تقوية أنفسهن ضد العنف. وأصبحت المشاركات صديقات لها، كما أصبحت مشرفتها “فاطمة” قدوة لها بعد أن تجاوزت تجربة طلاق مماثلة وتعيش حالياً مع زوجها الجديد وأبنائها الثمانية الذين حصلوا على تعليم ممتاز.
وضع الأطفال والتحديات التعليمية
يبلغ التوأم حالياً من العمر 10 سنوات، بينما يبلغ الابن الأصغر 8 سنوات، وجميعهم يرتادون المدرسة، فيما يستعد التوأم للالتقاء بالمدرسة المتوسطة (Mittelschule) قريباً. تُعرف ابنتها في المدرسة بـ “الجميلة المترجمة الصغيرة” لمساعدتها الأطفال الآخرين الذين يعانون من صعوبات لغوية، بينما يتميز ابنها الأكبر في مادة الرياضيات. وفي المقابل، يواجه الابن الأصغر بعض الصعوبات الدراسية وصعوبة في إيجاد شغف خاص به، وهو ما تعزوه الأم إلى الصدمة النفسية المرتبطة بتجربته مع والده، حيث لا يزال يعاني من آثار التروما رغم خضوع الأسرة بأكملها لرعاية نفسية لمدة عام. وتستفيد الأسرة حالياً من خدمة المساعدة في الدروس المنزلية التي توفرها مبادرة “Nachbarinnen” مرة أسبوعياً.
الفخر بالذات والتطلع نحو سوق العمل
تحدثت شيرين عن التحديات المزدوجة لكونها أماً عزباء تقوم بدور الأم والأب معاً دون أن تجد خياراً سوى أن تكون قوية، مشيرة إلى أنها لم تحظَ بآية لحظة خاصة لنفسها على مدار 10 سنوات بسبب مسؤولياتها الكاملة عن المدرسة، المواعيد الطبية، التسوق، والطهي. وأعربت عن فخرها بنفسها لقدرتها على تجاوز كل تلك الظروف، مؤكدة أن هدفها الحالي هو ضمان حصول أطفالها على تعليم جيد، وإتقان اللغة الألمانية بشكل كامل، ثم الالتحاق بتدريب مهني في ورشة الخياطة التابعة لمبادرة “Nachbarinnen” للحصول على وظيفة (مثل العمل كبائعة في البداية).
رسالة موجهة للنساء
وجهت شيرين نصيحة لكل امرأة تمر بظروف مشابهة بضرورة طلب المساعدة وعدم تحمل العزل أو الضرب، مؤكدة أنها لم تطلب المساعدة في البداية رغم أنها كانت تعيش حياة مستقلة في سوريا، حيث حصلت على شهادة البكالوريوس وعملت كمربية أطفال ومعلمة. وأضحت أنها شعرت بالعجز التام عند وصولها للنمسا بسبب غياب اللغة والأصدقاء، وأن أطفالها كانوا السبب الأساسي في صمودها.