من القضاء النمساوي الى السوري.. هل دعم الجيش الحر وجبهة النصرة جريمة بعد “فرار” المتهم والشاهد؟

النمسا ميـديـا – شتايرمارك:

في تطور قضائي دراماتيكي يعكس انقلاباً جذرياً في الأدوار، يواجه القضاء النمساوي في مدينة غراتس انتقادات لاذعة بعد تسببه في سجن الشاهد الرئيسي “ماجد الحسين” في العاصمة السورية دمشق مطلع شهر سبتمبر 2026، بينما يتجول المتهم الرئيسي بالإرهاب “Muhannad Z.” حراً طليقاً في سوريا. وتعود جذور القضية الممتدة من عام 2015 وحتى اليوم إلى خطأ فادح ارتكبته المحكمة النمساوية بالكشف عن هوية الشاهد السري، مما أتاح للمتهم الفرار من النمسا وتوظيف نفوذه لاحقاً في سوريا للانتقام من الشاهد الذي يحمل الجنسية اللوكسمبورغية، وسط مناشدات دبلوماسية عاجلة للتدخل وإنقاذ حياته.

من ساحات القتال في سوريا إلى اللجوء في النمسا

بدأت مسيرة المتهم “Muhannad Z.” (50 عاماً) كقائد لفرقة مسلحة مقاتلة في مدينة الميادين السورية بين عامي 2013 و2014، قبل أن ينضم لاحقاً إلى جبهة النصرة، بحسب لائحة الاتهام. وفي عام 2015، وصل إلى مدينة غراتس في ولاية شتايرمارك النمساوية ضمن موجة اللجوء، وحصل على حق اللجوء في عام 2016 بحجة الاضطهاد السياسي. وخلال فترة إقامته، عمل كداعية في مساجد، وأسس “محكمة شرعية” موازية في شقته، إلى جانب إدارته لتجارة لحوم الدجاج الحلال. وقد كلف إقامته مع زوجته وأطفاله السبعة في النمسا ما يقدر بنحو 250,000 يورو كإعانات اجتماعية، ولا تزال عائلته وأعماله التجارية نشطة في النمسا حتى اليوم تحت إدارة أبنائه.

خطأ قضائي فادح وكشف هوية الشاهد السري

في مارس 2023، تم القبض على المتهم، إلا أن محكمة الاستئناف العليا في غراتس (OLG Graz) أمرت بإطلاق سراحه لعدم كفاية أسباب الاعتقال. وخلال هذا الإجراء، ارتكبت المحكمة خطأً كارثياً بذكر اسم الشاهد السري الرئيسي في قرارها. وفي أواخر عام 2024، وُجهت إلى المتهم تهم رسمية بتأسيس تنظيم إرهابي. وخلال الجلسة الأولى للمحاكمة في 11 ديسمبر 2024، وقف الشاهد المكشوف مرعوباً، مؤكداً تلقيه تهديدات بالقتل وتقطيع جسده من قبل عائلة المتهم. ورغم إعادة اعتقال المتهم بطلب من المدعي العام لمنع طمس الأدلة، عادت المحكمة وأطلقت سراحه بعد أيام قليلة.

الفرار إلى سوريا والظهور المسلح

استغل المتهم قرار الإفراج عنه ليفر من النمسا أوائل عام 2025 عائداً إلى سوريا، مما دفع السلطات النمساوية لإصدار مذكرة توقيف أوروبية بحقه. وسرعان ما عاود الظهور عبر مقاطع فيديو من الجامع الأموي في دمشق، يطالب فيها بتطبيق الشريعة. وفي يوليو 2025، ظهر في مقطع فيديو محاطاً بمقاتلين قبليين مسلحين على مداخل مدينة السويداء، معلناً ولاءه للقيادة السورية الجديدة المتمثلة في الرئيس أحمد الشرع (القيادي السابق في جبهة النصرة)، مما يفسر الحماية التي يتمتع بها اليوم في سوريا.

انتقام المتهم واعتقال الشاهد في دمشق

انقلبت الأدوار كلياً عندما اضطر الشاهد الرئيسي (الذي يحمل الجنسية اللوكسمبورغية) للسفر إلى دمشق بعد 14 عاماً من الغياب، لإنجاز أوراق رسمية تتعلق بشقيقه المريض وعائلته. وفي 6 سبتمبر 2026، تم اعتقاله فور مراجعته للدوائر الحكومية. وقد اعترف المتهم “Muhannad Z.” في مقطع فيديو بثه عبر فيسبوك بأنه رفع دعوى قضائية ضد الشاهد في سوريا انتقاماً منه على شهادته في النمسا، مقراً في الوقت ذاته بأنه تواصل مع الشاهد قبل المحاكمة في غراتس وهدده طالباً منه عدم الحضور للإدلاء بشهادته.

اتهامات متبادلة واستغلال للنفوذ الأمني

لم تقتصر القضية على الشهادة في النمسا، بل أخذت أبعاداً أكثر تعقيداً. فبحسب شهادة الناشط رياض الحسين في مقطع نشره على حسابه الرسمي، فإن الشاهد الرئيسي متهم أيضاً بتأمين السلاح للجيش السوري الحر بالإضافة إلى القتال مع الفصائل الإسلامية. من جهة أخرى، أكدت مصادر حقوقية وقوع تجاوزات خطيرة خارج نطاق القانون أثناء توقيف الشاهد “ماجد الحسين”؛ حيث استغل المتهم “Muhannad Z.” صلاته العائلية بمسؤولين في الجهاز القضائي السوري، ودخل مع أبناء عمه إلى فرع الأمن الجنائي لتهديد الشاهد علناً أمام المحقق قائلاً: “بس تطلع من هون رح حولك على الإرهاب”، مطالباً بمنع الزيارات عنه ومستغلاً المحسوبيات للانتقام الشخصي.

صمت القضاء النمساوي ومناشدات للتدخل الدبلوماسي

أمام هذه التطورات الخطيرة، التزمت محكمة الاستئناف في غراتس الصمت، مكتفية بتصريح مقتضب يشير إلى أن قضية الشاهد تقع “خارج نطاق اختصاصها” وأنه لا توجد معلومات إضافية حول كيفية تسريب اسمه. في المقابل، تعيش عائلة الشاهد المعتقل حالة من الرعب بسبب تدهور حالته الصحية نتيجة إصابته بمرض معوي مزمن يتطلب رعاية طبية منتظمة. وتناشد العائلة كلتا الحكومتين اللوكسمبورغية والنمساوية للتدخل الدبلوماسي العاجل، وتوضيح موقف الشاهد للسلطات السورية بأنه لم يكن مدعياً شخصياً بل أُجبر على الشهادة بطلب من القضاء النمساوي الذي فشل في حمايته.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى