ثورة تقنية في فيينا.. النمسا تستبدل الساعات الذرية بساعة ضوئية أكثر دقة بـ 75,000 مرة

النمسا ميـديـا – فيينا:
بدأ المكتب الاتحادي للمعايرة ومسح الأراضي (BEV) في منطقة Ottakring بالعاصمة فيينا تنفيذ خطة حديثة لتطوير نظام قياس التوقيت الرسمي في النمسا، تشمل الاستغناء التدريجي عن الساعات الذرية المعتمدة منذ ثمانينيات القرن الماضي واستبدالها بساعة ضوئية جديدة متطورة. وجاء هذا القرار عقب نجاح التجارب التشغيلية التي أجريت على مدار العام الماضي وأثبتت أن التقنية الجديدة تتمتع بدقة أعلى بـ 75,000 مرة مقارنة بالساعات الذرية، مما يمهد لتحول تقني بارز في تحديد التوقيت القياسي والارتقاء بالبحوث العلمية والتطبيقات الرقمية خلال العامين القادمين.
تحديث التوقيت الرسمي والبدء باستبدال الساعات الذرية
تُحدد النمسا توقيتها الرسمي انطلاقاً من مختبر الساعات التابع للمكتب الاتحادي للمعايرة ومسح الأراضي (BEV) في شارع Arltgasse بمنطقة Wien-Ottakring في العاصمة فيينا. ويعتمد النظام الحالي على ساعتين ذريتين تعملان بالتوازي؛ حيث تتولى الساعة الرئيسية (“Master Clock”) تحديد التوقيت القياسي للبلاد، بينما تُستخدم الساعة الأخرى كساعة احتياطية. وتُبث الإشارات الزمنية عبر شبكة الإنترنت لتصل إلى كافة الأجهزة الإلكترونية والحواسيب والهواتف المحمولة في النمسا. وأوضح نائب رئيس المكتب والمسؤول الأول عن قياس الوقت في النمسا السيد Robert Edelmaier أن الساعات الذرية الحالية تُستخدم منذ ثمانينيات القرن الماضي ولم تعد تواكب مستويات الدقة المطلوبة حديثاً، مما يدفع المكتب لتنفيذ عمليات تحديث شاملة خلال العامين المقبلين لضمان استمرار تقديم إرشادات زمنية فائقة الدقة.
تقنية الساعة الضوئية ودقة تفوق الترددات الذرية بـ 75,000 مرة
يخضع النموذج التجريبي للساعة الضوئية في BEV للاختبار التجريبي منذ عام كامل، وأظهرت القياسات المأخوذة خلال هذه الفترة تفوقاً كبيراً في الدقة بلغت نسبته 75,000 مرة مقارنة بالساعات الذرية التقليدية. ولتوضيح حجم هذا الفارق، أشار Robert Edelmaier إلى أنه لو بدأت ساعة ذرية بالعمل منذ نشأة الكون قبل نحو 13.8 مليار سنة، لكانت قد سجلت خطأً قدره ثلاث ساعات كاملة اليوم، في حين أن الساعة الضوئية لن تتأخر خلال تلك الفترة الزمنية الهائلة سوى ثانية واحدة فقط. وتعتمد هذه التقنية على توجيه أشعة الليزر نحو أيونات الإيتريوم (Ytterbium-Ionen) التي تهتز بسرعة يفوق ترددها ذرات السيزيوم-133 (Cäsium-133) المستعملة في الساعات الذرية، مما يتيح قياس الوقت بدرجات تفوق بمراحل الإمكانات السابقة.
مساعٍ دولية لإعادة تعريف “الثانية” وتطوير الأنظمة التقنية
تتضمن الخطة المستقبلية ربط الساعة الضوئية بالتوقيت الرسمي النمساوي خلال فترة تتراوح بين عام وعامين، لتصبح النمسا بذلك خامس دولة في العالم تعتمد الساعات الضوئية في تحديد توقيتها القياسي. وتكتسب الإشارات الزمنية الصادرة عن هذه الساعات أهمية متزايدة في مجالات أبحاث التكنولوجيا المتقدمة والتحول الرقمي الذي يتطلب أختاماً زمنية دقيقة جداً لنقل البيانات. وعلى الصعيد الدولي، تسعى المؤتمرات العامة للأوزان والمقاييس (CGPM)، التي يمثل فيها Edelmaier النمسا، إلى إعادة تعريف وحدة “الثانية” عالمياً لترتكز على الساعات الضوئية بدلاً من الساعات الذرية المعتمدة منذ عام 1967، لتفادي تباين وتشتت الأنظمة التقنية المتقدمة مستقبلاً.
التأثيرات الفيزيائية ونظرية النسبية: رأس الإنسان يشيخ أسرع من قدميه
تتمتع الساعة الضوئية بدقة عالية تمكنها من قياس فروق الارتفاعات التي لا تتجاوز عدة سنتيمترات؛ وذلك استناداً إلى نظرية النسبية لأينشتاين التي تؤكد ارتباط الزمان بالمكان، حيث يمر الوقت بسرعة أكبر في المناطق المرتفعة مثل الجبال مقارنة بالوديان بسبب ضعف الجاذبية. وأكدت رئيسة قسم الوقت في BEV السيدة Petra Milota إمكانية قياس هذه الفروق الدقيقة بالفعل، لافتة إلى أن حسابات الوقت المأخوذة من الساعات الضوئية أظهرت أن رأس الإنسان يشيخ أسرع من قدميه؛ إذ إنه عند الوصول إلى عمر 80 عاماً يكون رأس الشخص أكبر سناً بمقدار 80 نانوثانية مقارنة بقدميه بسبب فارق الارتفاع عن سطح الأرض.
حدود استخدام الساعات الضوئية وتطلعات “ساعة النواة الذرية”
ورغم إمكانية النظر في استخدام الساعات الضوئية لتحديد الارتفاعات النسبية، إلا أن حجمها الكبير وحساسيتها العالية يحولان دون استخدامها في الحياة اليومية، حيث يتطلب تشغيلها غرفاً خاصة معزولة للحد من أثر التداخلات الضوئية والصوتية على القياسات. وفي هذا السياق، كشفت الجامعة التقنية في فيينا (TU Wien) مؤخراً عن تطوير أول “ساعة نواة ذرية” (Atomkernuhr) في العالم، والتي تعتمد على محاصرة أنوية الذرات داخل بلورات خاصة لقياس الوقت، مما يجعلها أكثر مقاومة للظروف البيئية المحيطة مع الحفاظ على دقة متناهية قد تماثل أو تتجاوز الساعات الضوئية، وسط توقعات بطرحها تجارياً خلال فترة من 5 إلى 10 سنوات.