عقب حرائق الصيف.. الجيش النمساوي يتدخل لتحديد بؤر الذخائر الحربية في St. Egyden

النمسا ميـديـا – النمسا السفلى:
تستعد بلدية St. Egyden في منطقة Neunkirchen بمقاطعة النمسا السفلى، بالتعاون مع خبراء الجيش النمساوي Bundesheer وسلطات الغابات، لإطلاق عملية مسح ميدانية شاملة خلال شهر أكتوبر الجاري لتحديد البؤر الأكثر خطورة لمخلفات الذخائر الحربية في غابة Föhrenwald؛ حيث تأتي هذه الخطوة عقب حرائق الغابات العنيفة التي شهدتها المنطقة في الصيف الماضي، وذلك بهدف وضع خطة استباقية للحد من مخاطر الانفجارات والحرائق المتكررة الناجمة عن التغير المناخي وحماية المناطق السكنية المتاخمة.
خوف دائم وشهادات مؤلمة من السكان
يعبر المواطن Helmut Walenta، الذي يقطن في شارع Bahnstraße ببلدة St. Egyden في منطقة Neunkirchen مباشرة على أطراف غابة Föhrenwald، عن القلق البالغ الذي يعيشه مع أسرته قائلاً: “زوجتي تعاني كثيراً من هذا الوضع، ونحن في خوف دائم”. وكانت ألسنة النيران خلال حريق الغابات في شهر أغسطس قد وصلت إلى حدود حديقة منزله، ولم يتم إنقاذ منزله وعدة منازل أخرى في الحي السكني إلا بفضل “حظ كبير” في اللحظات الأخيرة عندما تغير اتجاه الرياح مفاجئاً. وبعد مرور شهرين على الكارثة، أظهر جولة تفقدية لموقع الحدث أجرته شبكة noe.ORF.at أن آثار الحريقين اللذين اندلعا في الصيف لا تزال جلية بوضوح، رغم بدء التعافي التدريجي للطبيعة من خلال نمو أولى نباتات العشب عبر التربة المتفحمة وظهور إبر خضراء على بعض الأشجار وزقزقة الطيور.
أطنان من مخلفات الحرب تهدد المنطقة
تظل احتمالية اندلاع حرائق مشابهة قائمة في أي وقت في حال توفر ظروف الجفاف والحرارة الشديدة. وتكمن المشكلة الرئيسية في وجود أطنان من مخلفات الذخائر الحربية القابلة للاشتعال والانفجار من الحرب العالمية الثانية في أعماق التربة، والتي كانت قد تناثرت على نطاق واسع إثر انفجار مصنع للمساحيق المتفجرة في ذلك الوقت، ونمت فوقها الأشجار على مر العقود. وكانت السلطات المحلية في المنطقة قد حاولت معالجة هذه الأزمة منذ عام 2013، غير أن العمدة Christa Tisch (من قائمة Liste Gemeinsam für St. Egyden) أوضحت أن تلك المحاولات كانت “تتلاشى تدريجياً في كل مرة” أو تتوقف بسبب التكاليف الباهظة. وتطالب العمدة، وهي نفسها واحدة من بين أكثر من 100 من مالكي الغابات المتأثرين، بضرورة إيجاد حل عاجل، مؤكدة أن السنوات مرت والتكنولوجيا أصبحت أكثر تطوراً وتستدعي وضع مفهوم معالجة متكامل.
اجتماع حاسم وخطة عمل ميدانية في أكتوبر
شهد يوم الثلاثاء عقد اجتماع موسع ضم إدارة المنطقة (Bezirkshauptmannschaft)، وخبراء المتفجرات والذخائر الحربية في الجيش النمساوي Bundesheer، وإدارة الغابات لمناقشة الخيارات المتاحة. وأكد المشاركون مجدداً أن تطهير الغابة بالكامل من مخلفات الذخائر يُعد أمراً غير ممكن عملياً، بينما يتزايد خطر الحرائق باستمرار نتيجة تراجع الظل الذي يحمي التربة والذخائر المترسبة فيها. وبناءً على ذلك، سينسق متخصصو الجيش النمساوي وهيئة الغابات لتحديد المساحات الأكثر خطورة وتحديد مناطق التمركز الأعلى للمخلفات، حيث أشارت العمدة Christa Tisch إلى عدم معرفة المساحة الدقيقة سواء كانت 10 أم 40 هكتاراً. ومن المقرر أن تبدأ العمليات الميدانية في شهر أكتوبر الجاري لتسمح نتائجها بوضع تدابير مراقبة ومستهدفة بدقة.
سباق مع الزمن وتأثيرات التغير المناخي
تضغط عمدة البلدية لتسريع وتيرة العمل وعدم إضاعة المزيد من الوقت، مشددة على أن الصيف يزداد حرارة بسبب التغير المناخي، مما سيجعل هذه الظاهرة أكثر حدة مستقبلاً. كما دعت أصحاب الغابات إلى مراقبة الأشجار عن كثب خلال السنوات الخمس القادمة، نظراً لعدم وضوح ما إذا كانت الأضرار اقتصرت على الأجزاء الظاهرة فقط أم طالت جذور الأشجار وأدت لموتها.
ضرورة تطوير “ثقافة التعامل مع النيران”
من جانبه، أوضح Mortimer Müller، الباحث في حرائق الغابات بجامعة BOKU والذي شارك في الاجتماع، أن الحرائق ظاهرة طبيعية لا يمكن القضاء عليها نهائياً، بل يجب التعلم كيفية التعايش معها وإدارتها وفق قواعد بشرية صحيحة بدلاً من ترك المبادرة للنيران. وأشار إلى أن اندلاع حريق في الغابة لا يشكل مأساة للطبيعة ذاتها بل لمالك الأرض فقط، كون الطبيعة قادر على التعافي. ولفت إلى تجارب دول تعاني من الحرائق منذ عقود مثل كندا وأستراليا ودول جنوب أوروبا، حيث يعمل السكان والمؤسسات وفرق الإطفاء سوياً لاتخاذ تدابير الوقاية بدءاً من الغابات وصولاً إلى المنازل عبر تقييم المخاطر وتصميم البيئة المحيطة لتخفيف حدة الكوارث.
أخطاء شائعة في الحدائق وإصلاح هيكلة الغابات
أكد الباحث Mortimer Müller على ضرورة إعادة هيكلة الغابات في المناطق الخطرة من خلال تقليل الأشجار الصنوبرية وزيادة الأشجار العريضة الأوراق، وإنشاء خطوط دفاعية (مصدات حرائق)، وتخفيف كثافة الأشجار أو اعتماد الرعي. أما في الحدائق المنزلية، فيُشكل وجود أشجار Thuja التي تصل إلى أسطح المنازل، أو المزاريب المكتظة بالأوراق، أو حطب التدفئة المخزن تحت إفريز السقف مخاطر عالية، كون شرار النار القادم مع الرياح قادر على الانتقال لمئات الأمتار.
الحرق الوقائي المنظم وغياب المناطق العازلة
تُعتبر عمليات الحرق الوقائي المنظم للنباتات والشجيرات الجافة إجراءً فعالاً لمنع الحرائق الكبرى، إلا أن ذلك يتطلب تعديلات قانونية كونه محظوراً حالياً بموجب قوانين حماية الطبيعة والغابات الانبعاثات. وتُثبت هذه الطريقة نجاحاً كبيراً في حقل التدريب العسكري Truppenübungsplatz Allentsteig بفي منطقة Zwettl حيث تُطبق سنوياً. وفيما يتعلق بغابة Föhrenwald، تكمن المشكلة الكبرى في تداخل الغابة المباشر مع المناطق السكنية وصولاً إلى أبواب الحدائق دون وجود أي مسافة أمان، وهو ما اشتكى منه العديد من السكان المحليين لشبكة noe.ORF.at.
إجراءات عاجلة وإنشاء مناطق أمان وحوض إطفاء
تسعى البلدية إلى اتخاذ خطوات عكسية وإنشاء مناطق أمان عازلة بعرض يصل إلى 30 متراً بين الغابة والمنازل، وهو ما يتطلب التوصل إلى اتفاقيات مع مالكي الأراضي خلال الأسابيع القادمة. وكتدبير إيجابي عاجل، تقرر إنشاء حوض إطفاء مائي إضافي (Löschteich) خلال فصل الشتاء لضمان سرعة تطويق وحصر أي حرائق قد تندلع مستقبلاً.