من لاجئ أفغاني إلى مستشار مُستهدف.. دعوى قضائية ضد صندوق التكامل في النمسا ÖIF تكشف عن “ثقافة خوف” وانقسامات داخلية

النمسا ميـديـا – فيينا:

ينظر قضاء العمل والشؤون الاجتماعية في فيينا (Arbeits- und Sozialgericht Wien) في دعوى قضائية يرفعها موظف من أصول أفغانية ضد الصندوق النمساوي للتكامل (Österreichischer Integrationsfonds – ÖIF)، اعتراضاً على قرار نقل تعسفي يراه استمراراً لسلسلة من المضايقات والملاحقة النقابية، في قضية كشفت عن انقسامات داخلية حادة وتصريحات أمام المحكمة تصِف بيئة العمل داخل هذه المؤسسة الحكومية بأنها تسودها “ثقافة الخوف”.

من طالب استشارة إلى مستشار: مسيرة موظف أفغاني في النمسا

بدأت رحلة الموظف الذي يُشار إليه بالحرف (A.) قبل نحو 17 عاماً، عندما وصل إلى النمسا لاجئاً وفاراً من حركة طالبان في أفغانستان؛ حيث تعلم اللغة الألمانية في الصندوق النمساوي للتكامل (ÖIF)، ثم تحول في عام 2009 من مستفيد إلى مستشار يقدم الدعم للاجئين والمهاجرين ممن يخوضون ظروفاً مشابهة. وخلال جلسة المحكمة يوم الخميس، وصف (A.) مسيرته المهنية بأنها كانت رحلة مليئة بالتقدير المتبادل، غير أن العلاقات شهدت تحولاً دراماتيكياً قبل نحو ست سنوات، وتحديداً عندما شارك مع زملاء له في تأسيس أول مجلس عمال (Betriebsrat) في تاريخ الصندوق بعد 60 عاماً من إنشائه. وأكد (A.) أنه منذ تلك اللحظة فقد مكانته كزميل مُقدَّر، ورغم تأكيد القاضية مراراً أن التاريخ الوظيفي ليس جوهر القضية قانونياً، إلا أن فهم دوافعه يتطلب استحضار هذه الخلفية؛ ففي شهر نوفمبر من العام الماضي، دُعي (A.) على نحو مفاجئ إلى مكتب الموارد البشرية لِيُبلَغ بنقله الفوري من المقر الرئيسي إلى أحد أصغر فروع الصندوق، والذي لا يضم سوى أربعة موظفين، اثنان منهم يعملان في التقنية.

إيقاف عن العمل لسنوات وتبرئة قضائية كاملة

وقبل قرار النقل هذا، قضى (A.) ثلاثة أعوام ونصف العام وهو مُعفى مؤقتاً من أداء مهام عمله (freigestellt)، وذلك بعد أن تقدم صندوق (ÖIF) ببلاغ جنائي ضده وضد زميل آخر له في مجلس العمال -شهد لصالحه في الجلسة- يتهِمُهما فيه بإخفاء وثيقة قضائية هامة عن الإدارة، وهي الاتهامات التي تلاشت تماماً وثبت عدم صحتها بعد إجراءات قضائية استمرت لسنوات، كما نجح (A.) في كسب دعوى الفصل التعسفي (Entlassunktlage) أمام القضاء. ويفسر (A.) قرار نقله الحالي بأنه استمرار لسياسة التضييق والتعسف (Schikane)، مؤكداً أن الهدف كان دفعَه إلى الشعور بالملل حتى يقدم استقالته بنفسه، فضلاً عن أن القرار عرقل نشاطه النقابي وعزله عن التواصل المباشر مع بقية الموظفين. وفي المقابل، نفَت إدارة (ÖIF) هذه الاتهامات؛ حيث صرحت رئيسة قسم الموارد البشرية بصفتها شاهدة بأن احتياجات العمل تغيرت، وتم تقليص وظائف الاستشارة في المقر الرئيسي، مؤكدة أن عقد العمل يتيح تشغيل الموظف في أي فرع داخل فيينا، وأن المؤسسة تُدار بأموال الضرائب وتجري تقييماً دورياً لتوزيع الكوادر وفق الحاجة.

موقف الإدارة والرؤساء المباشرين

واعتبرت مسؤولة الموارد البشرية في (ÖIF) أن الوظيفة الجديدة تمثل “توافقاً مثالياً” (perfect match) مع خبرات (A.) السابقة، كونها تتضمن تقديم الاستشارات وتمنحه مرونة أكبر. وتوافقت مع هذا الطرح رئيسة الفريق المباشرة لـ (A.)، مشيرة إلى أن طبيعة عمله الحالية مطابقة تقريباً لعمله السابق، لكنها تمنحه مسؤولية أكبر ومرونة أعلى، حيث يواصل تقديم الاستشارات بلغات متعددة وتنظيم الدورات إلى جانب المهام الإدارية الاعتيادية. كما أشادت نائبة رئيسة الفريق بجهوده، مؤكدة أنه تم تجاوب الإدارة مع رغباته في تجهيز مكان العمل، وأن تقديم الاستشارات يستحوذ على نحو 90% من وقت عمله الحالي.

شهادات حول “ثقافة الخوف” والانقسام النقابي

وفي مقابل شهادات القيادات، غاب الموظفون المباشرون عن الإدلاء بشهاداتهم في الجلسة، وهو ما فسره ممثل مجلس العمال في مستهل المحاكمة بقوله إن هناك “ثقافة خوف” (Angstkultur) تسود داخل الصندوق، موضحاً أنه فضل عدم استدعاء أي من زملائه لحمايتهم من أي مضايقات وظيفية. وأكد هذه الشهادة أعضاء حاليون وسابقون في كتلة (A.) النقابية، حيث أفاد عضو حالي بأن (A.) نُقل إلى موقع بعيد ليكون غير قادر على التواصل مع الموظفين. ووصف عضو سابق المناخ بين الكتل النقابية داخل الصندوق بأنه “عدائي للغاية”، متفهماً تخوف الموظفين من التواصل؛ حيث تُحرَم كتلة (A.) من الوصول إلى البريد الإلكتروني لمجلس العمال أو الشبكة الداخلية (Intranet)، في حين تسيطر الكتلة الأكبر -التي تأسست عقب تصاعد الخلافات وبدعم من اتحاد النقابات التابع لحزب الشعب (ÖVP-Gewerkschaft) ومباركة إدارة الصندوق- على تلك الوسائل.

صراع النفوذ واستثناء الفرع من المقر الموحد

تعكس هذه الإجراءات عمق الانقسام الداخلي في صندوق (ÖIF)، حيث يقف (A.) في المعسكر الذي خسِر صراع النفوذ داخل المؤسسة، ليصدر قرار نقله كتابياً تأكيداً لهذا الواقع. وفي الوقت الذي يستعد فيه الصندوق النمساوي للتكامل للانتقال القريب إلى مبنى موحد يجمع أغلب مقراته في شارع (Vordere Zollamtstraße) في فيينا لضم غالبية الموظفين البالغ عددهم نحو 600 موظف، سيبقى الفرع الذي نُقل إليه (A.) استثناءً خارج هذا المبنى الموحد.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى