تأصيل اللهجة الفراتية ورثاء العجيلي.. “ليالي فيينا بودكاست” يستضيف الأديب زين شحادة
النمسا ميـديـا – فيينا:
سلطت حلقة جديدة من برنامج “ليالي فيينا بودكاست”، الذي يقدمه الإعلامي والناقد علي الحسن، الضوء على جملة من القضايا الثقافية والفكرية الهامة، مع استضافة الكاتب والشاعر والإعلامي السوري زين شحادة في العاصمة النمساوية فيينا، وذلك على هامش مشاركته في الدورة الثانية لملتقى الشعر العربي، حيث تناول اللقاء تفاصيل حراك المسرح السوري، وذاكرة مدينة الرقة الثقافية، وهموم حفظ التراث الفراتي، بالإضافة إلى تجربة الاغتراب وفلسفة التفاعل بين الشرق والغرب.
مشاركة ثقافية وقراءة في واقع الاغتراب
استُهل اللقاء بالحديث عن سياق زيارة الأديب زين شحادة لمدينة فيينا قادماً من هولندا، مكان إقامته الحالي، للمشاركة في ملتقى الشعر العربي في دورته الثانية، حيث أعرب عن إعجابه بالحضور الجماهيري اللفت والنشاط المتقد الذي شهدته أيام الملتقى. كما عقدت الحلقة مقارنة تحليليّة بين الحراك الثقافي في هولندا والنمسا، متناولة حالة الركود الثقافي التي أثرت على المجتمع السوري في أوروبا في أعقاب جائحة كورونا والتحولات السياسية المتسارعة.
تجربة المسرح السوري وإعادة إحياء الحراك في الرقة والطبقة
واستعرض شحادة بداياته المهنية في مديرية الثقافة بمحافظة الرقة، وتحديداً في مدينة الثورة (الطبقة)، حيث عمل على تحويل “معهد الثقافة الشعبية” من مركز تدريب روتيني إلى نواة لفرقة مسرحية فاعلة. وشهدت تلك المرحلة بالتعاون مع الأستاذ أحمد العيسى إعادة إحياء الحياة المسرحية في الطبقة بعد توقف دام منذ سبعينيات القرن الماضي. وقدمت الفرقة أعمالاً ناقدة بارزة، من أهمها مسرحية “بانوراما دبكة حمد” التي انتقدت السلوكيات المجتمعية، والعمل الفني المفصلي “عراقسطين” (المعد عن نص لمصطفى الحلاج)، والذي دمج بين القضية العراقية والفلسطينية باستلهام أشعار مظفر النواب ورمزية شخصية “حنظلة”.
الرقة كبوابة للثقافة العربية والعصر الذهبي
وتطرق الضيف إلى “العصر الذهبي” للثقافة في مدينة الرقة خلال الفترة (2007-2008) تحت إدارة الأستاذ حمودة الموسى، حيث تحولت المدينة إلى مركز جذب ثقافي عربي رائد. وشهدت تلك الفترات تنظيم مهرجانات متخصصة في الفن التشكيلي، والمسرح، والشعر، والرواية (مهرجان العجيلي)، واستضافة قامات أدبية وفكرية بارزة من الوطن العربي ودول الجوار مثل تركيا، مما دفع الصحافة الخليجية حينها لوصف الرقة بـ “بوابة الثقافة العربية”.
“عندما يعطش النهر”.. بين واقع الفرات ومشروع وثائقي مفقود
وأوضح شحادة خلال الحوار أن عنوان الحلقة “عندما يعطش النهر” يستند إلى واقعة حقيقية وأبعاد مجازية؛ ففي عام 2014 انخفض منسوب نهر الفرات بشكل غير مسبوق، كاشفاً عن أراضٍ كانت مغمورة بالمياه منذ السبعينيات. وفي البعد المجازي، يمثل النهر روح الهوية الفراتية، حيث يشكل عطشه رمزا للظمأ الإنساني والثقافي. كما كشف شحادة عن ضياع مشروع فيلم وثائقي ضخم كان يعمل عليه حول النهر، إثر مصادرة أجهزة الكمبيوتر والتخزين التي كانت تحوي أكثر من 1 تيرابايت من المواد المصورة واللقاءات النادرة.
تأصيل التراث الفراتي ومشروع “الفصيح من المحكي”
تناول شحادة جهوده البحثية في تأصيل اللهجة الفراتية، موجهاً انتقادات للدراما السورية التي اختزلت ابن البادية والريف في قالب ساذج ومادة للتهكم، مما دفع أجيالاً جديدة للتنصل من لهجتها. وأشار إلى إنجازه موسوعة لغوية بعنوان “الفصيح من محكي أهل الرقة”، أثبت فيها أن معظم المفردات الفراتية الشائعة (مثل “دحج” و”قدي”) هي مفردات عربية فصحى أصيلة تعرضت لظواهر لغوية كـ “القلب” أو “الإمالة”. وكان هذا المشروع قد نال موافقة وزارة الثقافة السورية للطباعة عام 2014 قبل أن تحول ظروف الحرب دون صدوره.
أثر العجيلي وحضور الفلسفة الشرقية عالمياً
وفي حديثه عن الرموز الأدبية، وصف شحادة الأديب الراحل عبد السلام العجيلي بأنه “أجمل بدوي عرفته المدنية”، مؤكداً أنه وصل إلى العالمية انطلاقاً من بيئته المحلية وحكايا الرقة. كما ناقشت الحلقة أثر الفكر الشرقي في الحضارة الغربية، مستشهدة بتأثر الفيلسوف ديكارت بمنهج الشك عند أبي حامد الغزالي، وتأثير الأعمال الأدبية الشرقية مثل “حي بن يقظان” و”رسالة الغفران” على الأدب العالمي.
ختام شعري ووفاء للفرات
واُختتمت الحلقة بفقرات شعرية، ألقى خلالها زين شحادة قصيدة “غروب فراتي” في رثاء العجيلي واصفاً إياه بطبيب الفرات، إضافة إلى قصيدة باللهجة المحكية حظيت بتفاعل واسع خلال ملتقى فيينا، مؤكداً أن الشعر يظل لغة الروح سواء كُتب باللغة الفصحى أو العامية.