خبير الاندماج Kenan Güngör يطالب بوقف الوصم السياسي للمسلمين في النمسا ويحذر من استقطاب اليمين واليسار

النمسا ميـديـا – فيينا:
في مقابلة صحفية معمقة نُشرت اليوم، حذر خبير الاندماج Kenan Güngör من المخاطر المتزايدة للاستقطاب المجتمعي الذي تذكيه الحركات المتطرفة من الإسلاميين واليساريين واليمينيين على حد سواء في النمسا. وفي حواره مع الصحفية Lisa Nimmervoll، انتقد الخبير التركيز المستمر والمكثف على طرح قضايا الإسلام من منظور مشكلاتي فقط، مشدداً في الوقت ذاته على ضرورة بناء ديمقراطية قوية قادرة على الدفاع عن نفسها دون الانزلاق نحو التقييد أو سلب الحريات، ومؤكداً أن الغالبية العظمى من المسلمين يرفضون فرض الحجاب على الأطفال.
تطور الإسلاموية وتأثير الخوارزميات الرقمية
وفيما يتعلق بمساعي حزب الشعب النمساوي (ÖVP) لحظر “الإسلام السياسي”، أوضح Kenan Güngör أن النقاش مبرر، لكنه حذر من فرض حظر غير واضح المعالم. وأكد وجود مشكلة حقيقية لدى شريحة من المسلمين تتعلق بفهم رجعي متشدد للإسلام يصل إلى حد الإسلاموية، حيث تسعى حركات مناهضة للديمقراطية والتعددية إلى كسب النفوذ. ورغم تزايد أعداد هذه الشريحة مع نمو عدد السكان المسلمين، شدد الخبير على أن الغالبية العظمى من المسلمين ترفض هذه الحركات، وأن سيطرة الإسلاميين على السلطة في النمسا ليس سيناريو واقعياً بل مجرد “إسقاط حتمي تشاؤمي”. وأشار إلى أن التهديد الحقيقي يكمن في التطرف، والإرهاب، والاستقطاب، والبيئات المنغلقة. وأضاف أن شكل الإسلاموية تغير؛ فبدلاً من المنظمات الكلاسيكية، نواجه اليوم “وحشاً متعدد الرؤوس” ينتشر عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث باتت الخوارزميات هي المحرك الأكبر لدفع السرديات المتطرفة إلى شاشات الشباب.
مصطلح الإسلام السياسي وقانون الحظر
وحول استخدام مصطلح “الإسلام السياسي”، اعتبر Kenan Güngör أن المصطلح يحمل إشكاليات، موضحاً أن كل ديانة كبرى، بما فيها الكاثوليكية، تحمل طابعاً سياسياً. وأكد أن المعيار الحاسم هو طبيعة الرؤى السياسية والدينية التي يتم تبنيها؛ فالمسلمون يمكنهم الالتزام بإسلام معتدل يتوافق مع الديمقراطية، أو تبني أفكار سلطوية ترفض المساواة والحريات والنظام الديمقراطي. ولذلك، يفضل الخبير استخدام مصطلح “الإسلاموية المعادية للديمقراطية وحقوق الإنسان” لكونه أكثر دقة. وفيما يخص الحاجة إلى قانون جديد للحظر في ظل وجود القوانين الجنائية وقانون الجمعيات وقانون الإسلام وقوانين مكافحة الإرهاب، أكد على ضرورة التقييم الجاد لأي ثغرات وسدها إن وجدت، لكنه تساءل عما إذا كان الأمر يتطلب قانوناً يقتصر على الإسلاموية فقط أم تشديدات تشمل كافة أشكال التطرف، محذراً من تطبيق معايير مزدوجة لا ينبغي لدولة سيادة القانون أن تسمح بها بأي شكل من الأشكال.
التداعيات السلبية للتركيز المستمر على قضايا الإسلام
وتطرق Kenan Güngör إلى النقاش الدائر حول حظر الحجاب للفتيات دون سن 14 عاماً، مشيراً إلى أن معظم المسلمين يرفضونه للأطفال، إلا أن بعض المنظمات الإسلامية تصوره على أنه هجوم شامل على المسلمين. وانتقد السياسة التي تعزز هذه السردية من خلال “الضخ المستمر والمكثف” لمواضيع الإسلام المتمحورة حول المشاكل. وأوضح أن الخلط بين المشاكل الحقيقية في بعض المجتمعات المسلمة وبين استغلالها السياسي وتعميمها بشكل درامي، يشكل جزءاً من المشكلة. وحذر من أن هذا النهج يدفع المسلمين المعتدلين والعلمانيين للشعور بأن الدولة تستهدفهم جميعاً وتوصمهم، مما يؤدي إلى تعزيز الانفصال العاطفي وتراجع ارتباط المسلمين المندمجين جيداً، واصفاً ذلك بأنه أمر “كارثي” لمجتمع قائم على الهجرة والاندماج.
الموقف الحازم تجاه حظر الحجاب للأطفال في المدارس
ورغم انتقاده لطريقة الطرح السياسي، أكد Kenan Güngör دعمه الواضح لحظر الحجاب للأطفال، موضحاً أنه بغض النظر عن تنوع أسباب ارتدائه، إلا أن هناك بنية أساسية معادية للمرأة لا يمكن إنكارها، ترتبط بربط جسد المرأة بالخطيئة والعار، وهو أمر موجود في ديانات أخرى أيضاً. وأشار إلى أن فرض الحجاب على الأطفال يخلق علاقة مضطربة وإشكالية جداً مع أجسادهن في سن مبكرة. ورداً على الانتقادات التي تعتبر الحظر سلباً للحرية، بين الخبير أن القوانين غالباً ما تقيد أموراً لتتيح الحرية في جوانب أخرى، مؤكداً أن الحجاب رمز قوي ذو بنية دينية معيارية صارمة، وأن الحركات الإسلاموية تحرص على إلباسه للفتيات مبكراً كـ “جلد ثانٍ” يصعب خلعه لاحقاً. وخلص إلى أن حظر الحجاب تدخل صحيح في المدارس الحكومية لتوفير مساحة حرة للأطفال رغم كونه تدخلاً “غير جميل”.
انتقاد ازدواجية اليسار واليمين وثقافة الإلغاء
وفي تحليله لمواقف بعض التيارات السياسية، انتقد Kenan Güngör تبني أجزاء من اليسار لمواقف تتناقض مع مبادئهم العلمانية والنسوية عندما يتعلق الأمر بالإسلام أو الحجاب. وأوضح أن التزام اليسار بالدفاع عن الأقليات يصبح إشكالياً عندما يتخلون عن معايير المساواة والحرية تجاه المجموعات التي يحمونها، واصفاً ذلك بـ “عنصرية الدمى المحشوة” (Kuscheltierrassismus)، حيث يُنظر للمهاجرين كضحايا وأخيار دائماً، في حين يُصوَّر مجتمع الأغلبية كمجموعة تمييزية. وعلى النقيض، يمارس اليمين واليمين المتطرف نفس التبسيط العكسي. كما حذر الخبير مما أسماه ثقافة الإلغاء (Wokeism) لدى اليسار واليمين على حد سواء، حيث يتم تجريد الآخر من حقه في التحدث علناً واستبدال النقاش المنهجي بالأحكام الأخلاقية المطلقة، مما يفقد المجتمع قدرته على الحوار ويدفعه نحو شكل جديد من المجتمع غير الليبرالي.
رسالة إلى الوسط السياسي لبناء ديمقراطية صامدة
وختم Kenan Güngör حواره بتوجيه رسالة قوية إلى الوسط السياسي، مشدداً على ضرورة تعلم كيفية تحمل التناقضات والتعامل مع التعقيدات التي تزداد في المجتمع. ودعا إلى تغيير منطق التحالفات ليصبح قائماً على التمييز بين “الديمقراطيين داخل وخارج المجتمعات المسلمة” وبين “أعداء الديمقراطية داخل وخارج المجتمع المضيف”، بدلاً من عقلية “نحن ضد المسلمين”. وأكد على الحاجة الماسة إلى ديمقراطية مرنة وقادرة على الدفاع عن نفسها دون أن تصبح غير ليبرالية، ديمقراطية قادرة على تسمية المشاكل بوضوح دون وصم مجموعات بأكملها، ولديها القدرة على استيعاب أن هناك حقائق متعددة يمكن أن تكون صحيحة في نفس الوقت.