في الثورة الذهنية.. د. منصور الجنادي يطرح خارطة طريق إبستمولوجية لفهم الاندماج وأزمة الثقة في الغرب

النمسا ميـديـا – فيينا:
في حوارية جديدة بُثت عبر منصة “النمسا ميديا”، طرح الدكتور منصور الجنادي، بالتحاور مع الإعلامي علي الحسن، تشريحاً معمقاً لظاهرة الهجرة في ظل الاضطرابات الكونية الكبرى، مقدماً ما يُعد ضرورة إبستمولوجية ملحة لصناع القرار والباحثين في الشأن الاجتماعي. انطلق اللقاء في برنامج “الثورة الذهنية” من إشكالية محورية تتجاوز مفهوم التكيف السطحي لتطرح تساؤلاً جوهرياً: لماذا ينجح بعض المهاجرين في تحقيق اختراقات نوعية في المجتمعات المضيفة، بينما يغرق آخرون في دوامة الفشل الثقافي والاجتماعي لعقود؟ ليخلص الحوار إلى أن الإجابة لا تقتصر على القدرات الفردية، بل ترتكز على قدرة “الذات المهاجرة” على استيعاب التحولات البنيوية التي تحكم عالمنا المعاصر، والذي أطلق عليه د. الجنادي وصف “عصر الانفلات”، جاعلاً من فهم الهجرة مدخلاً استراتيجياً لفهم العالم ككل.
تشريح “عصر الانفلات” والقوى الست المحركة للتحول الجذري
أكدت الحوارية أن استيعاب المهاجر أو المخطط الاستراتيجي لواقع “عصر الانفلات” يُعد شرطاً أساسياً للنجاح، حيث يمر العالم بمرحلة انتقالية كبرى تتسم بتسارع غير مسبوق، تتبدل فيها التغيرات الجوهرية خلال عمر جيل واحد. وقد حصر الدكتور منصور الجنادي القوى المحركة لهذا الانفلات في ستة أبعاد رئيسية، أولها البعد البيئي واللوجستي، حيث تحول الاحترار العالمي وجفاف الأنهار في أوروبا من مجرد قضايا مناخية إلى تهديد استراتيجي لسلاسل الإمداد، مما يفرض واقعاً غير مستقر يؤثر على اقتصاديات المجتمعات المضيفة. وثانيها التسارع التكنولوجي، حيث وُصف الذكاء الاصطناعي كـ “كائن جديد” يحمل تحذيراً استراتيجياً يتعلق بـ “عنصر الوقت” واحتمالية خروجه عن السيطرة البشرية في غضون أشهر.
أما القوة الثالثة فتتمثل في التحول نحو “الاقتصاد الذهني”، والانتقال من اقتصاد المادة إلى اقتصاد العمليات المعرفية، مما يتطلب من المهاجرين امتلاك أدوات “معرفة المعرفة” للمنافسة. وجاء الانفلات السياسي كقوة رابعة، متمثلاً في صعود اليمين المتطرف في الغرب ورفضه للمؤسسات التنويرية دون تقديم بدائل، مما يحول البيئات الأوروبية المنظمة إلى مجتمعات متوترة ترفض الآخر. وخامساً، برزت أزمة القيم ونزع “المكانية” بتأثير العولمة، حيث تلاشت المرجعيات المكانية (مثل “أخلاق النهر” و”أخلاق الصحراء” وفقاً لأطروحات د. جمال حمدان)، لتسقط بذلك “المركزية الأخلاقية”. وأخيراً، تحولت الهجرة إلى ظاهرة بنيوية وسمة حاكمة للعصر تضغط على البنى الاجتماعية وتفرض إعادة تعريف الهويات الوطنية.
أزمة الثقة والمنظور الإبستمولوجي: “معرفة المعرفة” كمعيار للإنتاجية
في سياق ما يُعرف بـ “صراع الحضارات”، أوضح الحوار أن الصراعات تحولت من قوالب أيديولوجية إلى صراعات حضارية ذهنية بامتياز. وهنا تبرز “الثقة” كالغراء غير المرئي الذي يربط المجتمعات المنتجة، حيث أن غيابها المطلق يعني انهيار الكرامة الإنسانية وتعطل الماكينة الاقتصادية.
| النطاق الجغرافي | معدل الثقة | التوصيف الاستراتيجي |
| الدول الاسكندنافية | أكثر من 60% | رأس مال اجتماعي عالٍ، إنتاجية فائقة، استقرار تعاقدي |
| العالم العربي (عموماً) | 16% – 17% | فجوة ثقة بنيوية، ضعف في التعاون الجمعي |
| جمهورية مصر العربية | 7% | تحدي استراتيجي في بناء الأنساق التعاونية والإنتاجية |
وأرجع التحليل هذه الفجوة إلى اختلاف “النسق الإبستمولوجي” بين الثقافات. ففي حين يعتبر التعبير العربي “إن شاء الله” التزاماً غيبياً وميتافيزيقياً عميقاً بالنسبة للمهاجر، ينتظر الطرف الأوروبي، الذي يستند إلى مرجعية حسية مادية، كلمة “نعم” كالتزام قانوني وتعاقدي ملزم. هذا التصادم لا يعكس صراعاً بين حق وباطل، بل بين “مرجعيتين معرفيتين” مختلفتين، حيث يؤدي اختلاف التوقعات إلى قتل الثقة المتبادلة، مما يعيق الإنتاجية ويخلق فجوة تعايش صامتة.
سوسيولوجيا الإدراك وتحديات الاندماج وروح التنوير
بناءً على علوم الأعصاب، لا ينقل الإدراك البشري “الواقع” كما هو، بل يقدم “نسخة تقريبية” يعيد الدماغ تفسيرها عبر فلاتر ثقافية. ومن هذا المنطلق، فككت الحوارية إشكالية الاندماج، موضحة أن الاندماج الحقيقي ليس ذوباناً كاملاً، بل هو فهم عميق لـ “روح التنوير” التي أعادت صياغة العلاقة بين الدين والعلم. فالمهاجر الناجح هو من يستوعب هذا التحول في الثقافة المضيفة بدل محاولة تغييرها. كما أشار التحليل إلى الفشل البنيوي في سياسات الاندماج الأوروبية فيما يخص العلاقة مع الإسلام، مشدداً على أن حل هذه العقدة يتطلب من المهاجر وعياً ذاتياً بعقله وتفكيراً دقيقاً في سياق الآخر قبل الانتقاد والمواجهة.
هجرة الشاشات: مختبر حقيقي للإصلاح الثقافي
تطرق اللقاء إلى مفهوم حديث يتمثل في “هجرة الشاشات”، حيث لم تعد الهجرة انتقالاً فيزيائياً فقط. فالارتباط الدائم بالعالم الرقمي جعل الشعوب، وخاصة نحو 400 مليون مهاجر رقمي في العالم العربي، في حالة هجرة ذهنية دائمة. واعتبر الحوار هذه الظاهرة “فرصة تعليمية” ومختبراً حقيقياً لفهم أسباب تعثر مشروع الحداثة والتنوير العربي، كونها تتيح معاينة الفجوة المعرفية مع العالم المتقدم ومحاولة جسرها.
خارطة طريق نحو “ثورة ذهنية” شاملة
اختتمت الحوارية بخلاصة استراتيجية تقتضي الانتقال من النظرة الوظيفية للهجرة إلى اعتبارها تحولاً إبستمولوجياً عميقاً. وللنجاح في “عصر الانفلات”، لا بد من بناء “نسق إبستمولوجي مشترك” بين المهاجر والمجتمع المضيف يقوم على فهم الحدود الفاصلة بين المرجعيات الميتافيزيقية والمادية. وأكد اللقاء أن هذه الثورة الذهنية ليست مجرد مطلب فردي، بل هي خارطة طريق حتمية للمؤسسات العربية لإعادة قراءة “معرفة المعرفة” وكسر العزلة الذهنية للالتحاق بركب الإنتاجية العالمية بوعي يدرك أننا في حالة هجرة دائمة نحو المستقبل.