استثمار بـ 100 مليون يورو يكشف سجنًا وطريقًا أثريًا.. شبكة التبريد المركزي تقود الى اكتشافات تاريخية في فيينا

النمسا ميـديـا – فيينا:

تُباشر السلطات المختصة في مدينة فيينا تنفيذ خطة ضخمة لتوسيع شبكة التبريد المركزي (Fernkälte) باستثمارات تبلغ 100 مليون يورو خلال السنوات الخمس القادمة لمواجهة موجات الحر الصيفية، حيث أدت الأعمال الحفرية العميقة التي تنفذها شركات Wien Energie وWiener Netze بالتنسيق مع هيئة الآثار التابعة للمدينة (Stadtarchäologie) إلى إماطة اللثام عن كنز أثري روماني نادر يعود لقرون مضت تحت شوارع المنطقة الأولى، كاشفةً عن تفاصيل دقيقة حول تاريخ المعسكر الروماني القديم Vindobona والتحولات التي شهدها عبر التاريخ.

تحول مواقع البناء الحديثة إلى حفريات أثرية تاريخية تسببت أعمال الحفر لمد أنابيب شبكة التبريد المركزي في فتح آفاق جديدة أمام علماء الآثار، نظرًا لأن التبريد المركزي يتطلب الحفر على أعماق أكبر بكثير مقارنة بحفريات شبكات المياه والصرف الصحي التقليدية. وأسفرت أعمال التنقيب حتى الآن عن توثيق اكتشافات معمارية بارزة تمنح الباحثين فهمًا عميقًا للبنية التحتية وكيفية استخدام المنطقة في العهد الروماني. ومن بين أبرز هذه الاكتشافات غطاء لغرفة سفلية رومانية ضخمة في منطقة Bauernmarkt يُرجح أن تكون سجنًا رومانيًا أثريًا يُعرف باسم (Carcer)، وهو اكتشاف ذو أهمية استثنائية نظرًا لندرة الأدلة المادية الدالة على وجود السجون في العصر الروماني.

شواهد على التحول المدني والعسكري لمعسكر Vindobona أوضحت Kristina Adler-Wölfl، رئيسة هيئة الآثار بمدينة فيينا، في تصريحات صحفية لبرنامج Wien heute، أن احتمالية كون المبنى المكتشف سجنًا تعطي دلالة قوية على أن الموقع لم يُستخدم لأغراض عسكرية فحسب خلال العصور القديمة المتأخرة، بل شهد تحولًا تدريجيًا؛ حيث كانت Vindobona – وهو اسم المعسكر الروماني القديم الذي يقع اليوم تحت أحياء المنطقة الأولى في العاصمة النمساوية – قد تحولت إلى مدينة قلاعية تجمع بين الاستخدامين العسكري والمدني. كما شهدت أعمال الحفر في Petersplatz الكشف عن مقابر تعود للفترة ما بين القرن التاسع والقرن الحادي عشر، في حين عُثر عند التقاطع بين Graben وNaglergasse على أجزاء من بوابات المعسكر الروماني، إضافة إلى قاعدة عمود أثرية عُثر عليها على عمق 2.80 متر في Wildpretmarkt تشير إلى وجود رواق معمد كان يحمي المسافرين والمارة على الطريق الروماني الرئيسي من أشعة الشمس والأمطار.

توثيق طريق روماني قديم تحت منطقة Kohlmarkt وتقنيات حديثة تركز هيئة الآثار حاليًا جهودها على دراسة طريق روماني أثري يمر تحت منطقة Kohlmarkt؛ حيث كان هذا الطريق يمتد من البوابة الجنوبية للمعسكر الروماني والمعروفة باسم “porta decumana”، ممرًا بما يُعرف اليوم بمنطقة Michaelerplatz باتجاه الغرب وصولاً إلى مدينة Cetium (وهي مدينة عاصمة ولاية النمسا السفلى حاليًا St. Pölten). وقد تمكن الخبراء أثناء الحفريات من توثيق بقايا الشارع وقنوات تصريف المياه التابعة له، إلى جانب استخراج مواد وأوانٍ أثرية تعود للقرنين الرابع والخامس الميلاديين. وتُمثل مواقع الحفر هذه بالنسبة لعلماء الآثار نافذة زمنية قصيرة تتيح الاطلاع على الماضي، مما دفع الفرق إلى التنسيق المبكر بدءًا من مراحل التخطيط للمشاريع للقيام بالتوثيق الفوتوغرافي والمسح الجيوديسي للطبقات الأرضية، واستخراج المواد الأثرية وفحصها مع اعتماد تقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد 3D لإنجاز عمليات التوثيق بسرعة ودقة متناهية.

التنسيق الميداني بين أعمال البناء وحماية الآثار تجري عمليات التنسيق المبكر بين شركة Wiener Netze وهيئة الآثار لمنع أي تأخير في أعمال توسعة شبكة التبريد المركزي؛ حيث يتم تحديد المناطق ذات الأهمية التاريخية وتقييم عدد الأخصائيين المطلوبين والمدد الزمنية المتوقعة للبحوث الأثرية. وعند استخراج أي مكتشفات، يتم حفظها ونقلها للدراسة بينما تنتقل طواقم البناء للعمل في نقاط أخرى. وفي بعض الحالات النادرة، يتم الإبقاء على الآثار في موقعها الأصلي دون مساس، كما حدث مع نافذة الغرفة السفلية للسجن الروماني المفترض في Bauernmarkt، حيث تم تعديل مسار خط التبريد المركزي ليمر حول الأثر الروماني دون الإضرار به.

استكمال اللوحة التاريخية للعاصمة وتوسيع شبكة التبريد أكدت Kristina Adler-Wölfl أن التوسع في شبكة التبريد المركزي يُمثل فرصة استثنائية لهيئة الآثار، خاصة وأن المنطقة الأولى المكتظة بالمباني تتضمن فرصًا محدودة جدًا لدراسة الطبقات التاريخية العميقة، مشيرة إلى أن الحفريات الحالية تقدم أجزاءً مكملة لـ “بازل” الصورة الكاملة لمعسكر اللجيون الروماني، والتي تملك الهيئة تصورًا عامًا عنه لكنها تفتقر لتفاصيل دقيقة حول التجهيزات الداخلية والامتداد الكامل للمعسكر. وبالتوازي مع أعمال التنقيب، تتواصل عمليات تطوير البنية التحتية الحديثة، حيث تعتزم شركة Wien Energie التوسع في شبكة التبريد باستثمار 100 مليون يورو خلال السنوات الخمس القادمة. وتجدر الإشارة إلى أن حلقة التبريد المركزي حول وسط المدينة باتت مكتملة، وتتجه خطط التوسعة القادمة نحو محطة القطارات الرئيسية المحطة المركزية (Hauptbahnhof)، والجامعة الطبية (Medizinische Universität)، إضافة إلى الأحياء الثاني والثالث.

تنامي الطلب على التبريد المركزي ومؤشرات قدرة الشبكة تصل طول شبكة التبريد المركزي في فيينا حاليًا إلى نحو 33 كيلومترًا وتغذي ما يقرب من 300 مبنى ضخم. ومن المخطط أن ترتفع القدرة الإنتاجية للشبكة من 250 ميجاوات في عام 2025 إلى 370 ميجاوات بحلول عام 2030، وذلك عبر 8 محطات تبريد مركزية موصولة بالشبكة و17 حلًا غير مركزياً. وأوضحت شركة Wien Energie أن الطلب على التبريد يرتفع بشكل ملحوظ نتيجة ارتفاع درجات الحرارة خلال أيام الصيف، حيث تُستخدم الخدمة بشكل أساسي للمباني الكبيرة ذات الاحتياج المستمر للتبريد مثل الجامعات والمتاحف والفنادق ومبنى بلدية فيينا (Rathaus)، ويتم توجيه عمليات التوسع بناءً على حجم الطلب الفعلي والإمكانات الواعدة في المناطق المستهدفة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى