تقارير تربوية تحذر من التمييز.. ربع الطلاب المهاجرين في النمسا يخسرون عاماً دراسياً بسبب دورات الألمانية المنفصلة

النمسا ميـديـا – فيينا:

تُظهر تقييمات رسمية وأكاديمية في النمسا أن برنامج دورات اللغة الألمانية المنفصلة المخصص للطلاب المهاجرين واللاجئين الجدد يؤدي إلى إعادة قطاع واسع منهم لسنواتهم الدراسية، مما تسبب في ارتفاع نسبة الطلاب المهاجرين الذين يتجاوزون السن المعتادة لصفوفهم، وسط انتقادات تربوية تصف هذه الآلية بـ “التمييز المؤسسي”. الخبر يسلط الضوء على تداعيات هذه الصفوف التي شملت نحو 60 ألف طالب، غالبيتهم من الجنسيتين السورية والأوكرانية، بالتزامن مع قرار الحكومة النمساوية تخفيف إلزاميتها وإتاحة الخيار للمدارس لإلغائها.

صفوف منفصلة وعام دراسي مفقود

لم يتلق التلميذ العراقي Abdulrahman Al-Janabi، البالغ من العمر 19 سنة والذي لم يتجاوز بعد اختبارات نهاية المرحلة الدراسية، دروس الرياضيات والعلوم وغيرها من المواد الأساسية مع بقية أقرانه طوال عامين بعد وصوله إلى النمسا. وكان يُطلب منه مغادرة فصله الدراسي لساعات عدة يومياً لتعلم اللغة الألمانية، في إطار برنامج حكومي يهدف إلى مساعدة الوافدين الجدد على إتقان اللغة الوطنية.

وقال اللاجئ العراقي الشاب: “كنت أشعر ببعض الضياع والانزعاج لأنني لم أفهم لماذا كنت الوحيد الذي يتعين عليه المغادرة للذهاب إلى فصل دراسي آخر”. وتختلف فصول اللغة هذه عما هو متبع داخل عدد من الدول الأوروبية الأخرى، إذ يُدمج التلاميذ الوافدون حديثاً بالكامل في النظام المدرسي العادي منذ اللحظة الأولى.

تقييمات رسمية وتراجع عن الإلزام

وكان هذا البرنامج، الذي يرى فيه بعضهم تمييزاً ضد الأجانب ويسميه المنتقدون “صفوف الغيتو”، قد أُقر قبل ثمانية أعوام في ظل حكومة ائتلافية ضمت المحافظين واليمين المتطرف، وكان تطبيقها إجبارياً على المدارس.

غير أن تقييماً حديثاً أظهر أن ربع الطلاب الذين التحقوا بهذه الفصول يخسرون عاماً دراسياً واحداً في الأقل، مما دفع الحكومة النمساوية إلى تخفيف صرامة هذه القاعدة بدءاً من العام الدراسي الحالي. وبات بإمكان المدارس الآن أن تقرر بنفسها كيفية دعم التلاميذ الذين لا يتحدثون الألمانية كلغتهم الأم، وهو ما أدى إلى اتخاذ نصف المدارس قراراً بإلغاء هذه الفصول المنفصلة.

إحصاءات المنظمة الدولية والأرقام في فيينا

على الرغم من تعديل القواعد، يُتوقع أن يمتد أثر هذا الوضع لأعوام مقبلة. ففي النمسا يوجد عدد كبير نسبياً من التلاميذ الذين يتجاوزون السن المعتادة لمرحلتهم الدراسية — أي الذين يكبرون بعامين في الأقل عن العمر المفترض لصفهم — وفقاً لأرقام منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OECD).

وتشير بيانات المنظمة إلى أن نسبة هؤلاء التلاميذ ارتفعت بين عامي 2015 و2023 من 4.1% إلى 5.8% في المدارس الابتدائية، ومن 6.5% إلى 9.1% في المدارس الثانوية.

وفي العام الدراسي الماضي، كان هناك نحو 60 ألفاً من التلاميذ المصنفين ضمن فئة “التلاميذ خارج الحصص العادية” (außerordentliche Schüler)، واضطروا إلى الالتحاق بهذه الفصول الخاصة. وفي العاصمة فيينا، كان واحد من كل خمسة أطفال في المرحلة الابتدائية يندرج ضمن هذه الفئة.

وحسب بيانات “صندوق الاندماج النمسوي” (ÖIF)، ينتمي النصيب الأكبر من هؤلاء الطلاب إلى جنسيات محددة، حيث يتحدر 35% منهم من سوريا، و27% من أوكرانيا.

شهادات الطلاب ورغبة الاندماج

يقول طالب أوكراني يبلغ من العمر 16 سنة، يُدعى Makarii وفر من العاصمة كييف عام 2022 مع بدء الهجوم الروسي: “عندما تصل إلى المدرسة، كل ما تريده هو الاندماج”.

وأضاف في حديثه: “نقضي وقتاً ضمن مجموعة دراسية ثم تحل هذه المجموعة، فنفقد الأصدقاء ولا نكون على دراية بالمعلمين في الفصل الدراسي العادي”.

أرقام وزارة التعليم والآثار التربوية

كشف تقييم حديث أجرته وزارة التعليم النمساوية عن أن 22% من أصل 22,800 طالب صُنفوا في فئة “التلاميذ خارج الحصص العادية” خلال العام الدراسي 2022-2023 اضطروا لإعادة العام الدراسي مرة واحدة، بينما اضطر 3% منهم لإعادتها مرتين.

وصرح مسئول التعليم في فيينا Christoph Wiederkehr بأن هذه النسب تعتبر “مرتفعة جداً”، في حين لم تصدر وزارة التعليم تعليقاً إضافياً رداً على الاستفسارات المتعلقة بالبرنامج.

من جانبها، أوضحت الخبيرة التربوية في جامعة فيينا (Universität Wien) Susanne Schwab، التي درست آثار البرنامج، أن النظام يؤدي إلى “إعادة العام الدراسي تلقائياً” بالنسبة للتلاميذ الذين يبقون فيه لفترة طويلة، إذ لا يتم تقييم مستواهم في المواد الأساسية مثل الرياضيات، وبالتالي لا يمكنهم الانتقال إلى المستوى التعليمي التالي.

وأكدت Susanne Schwab أن “الطلاب الذين يلتحقون بفصول دعم اللغة الألمانية معرضون بدرجة كبيرة للتأخر الدراسي، حيث تمثل إعادة العام الدراسي جزءاً أساسياً من مسارهم التعليمي”، مشيرة إلى أن البرنامج اعتُمد على الرغم من وجود “إجماع علمي” يرفضه، وهو لا ينتج حلولاً بل يولد مشكلات إضافية. وكان تقرير أعده خبراء عام 2022 قد أشار صراحة إلى وجود “آليات عنصرية” و”تمييز مؤسسي تحت ستار دعم اللغة”.

السياق السياسي وموقف الأحزاب

شكلت النمسا، التي يبلغ عدد سكانها نحو 9 ملايين نسمة، مركز جذب لوافدين من دول مجاورة وأخرى أفقر فضلاً عن طالبي اللجوء، رغم تراجع الأعداد مؤخراً جراء تشديد سياسات الهجرة.

وقد انتقد “حزب الحرية” (FPÖ) اليميني المتطرف والمناهض للهجرة بشدة قرار الحكومة بتخفيف القواعد المطبقة على المدارس. وكان الحزب قد تصدر الانتخابات التشريعية الأخيرة عام 2024 للمرة الأولى في تاريخه، لكنه لم يتمكن من بناء ائتلاف لتشكيل الحكومة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى