“حبر وترحال”.. الكاتب السوري ثائر الناشف يفكك أبجدية المنفى ويشرح تحديات الاندماج في بودكاست “ليالي فيينا”

النمسا ميـديـا – فيينا:
استضاف الإعلامي والناقد علي الحسن، ضمن أحدث حلقات برنامج البودكاست “ليالي فيينا” التي حملت عنوان “حبر.. وترحال”، الكاتب والروائي والصحفي السوري ثائر الناشف، في حوار شامل وعميق. تناول اللقاء الذي يُعد بمثابة تشريح سيميائي لتجربة إبداعية عابرة للحدود، مسارات الكاتب من القاهرة ودمشق وصولاً إلى النمسا، بهدف استنطاق الهوية الإبداعية ومناقشة تحديات الاندماج الثقافي للمبدعين المهاجرين، إلى جانب تسليط الضوء على فلسفة المنفى وتأثيرها على النتاج الأدبي والإعلامي.
فلسفة المنفى والاغتراب بين الماضي والحاضر
شكل صيف عام 2015 نقطة تحول مفصلية في حياة الناشف، حيث لم يكن مجرد تاريخ وصوله إلى النمسا، بل مثل فاتحة لعقد ونيف من إعادة صياغة الذات. وخلال الحلقة، طرح الكاتب السوري رؤية تحليلية تميز بين “اغتراب الأديب” واغتراب أصحاب المهن الأخرى؛ فبينما يبحث الطبيب أو المهندس عن الاستقرار المادي، يبقى الأديب مسكوناً بجرح نازف ومنفى قسري يستنزف طاقاته في البحث عن المعنى وإثبات الوجود. كما قارن بين اغتراب أدباء “الرابطة القلمية” الذي اتسم بجهد حقيقي لإثبات الذات في رحم المعاناة الفيزيائية، وبين اغتراب “العولمة الرقمية” الحالي، حيث سهّلت وسائل التواصل الاجتماعي الانتشار التقني، لكنها أفقدت العمل الأدبي نكهته الخاصة وعمق تأثيره، ليصبح الأديب أسيراً لسرعة الانتشار لا لعمق الرسالة.
مختبر المسرح واستشراف الواقع السياسي
عكس النتاج المسرحي للكاتب انغماساً كبيراً في الواقع السياسي برؤية استشرافية دقيقة. وتوقف الحوار عند محطات بارزة مثل مسرحية “الزمن الرديء” التي كُتبت عام 2007 في غرفة ضيقة بالقاهرة بالورقة والقلم لتجسد انكسار الأحلام في زمن يزداد ضيقاً، ومسرحية “ظلال الحب والسلام” التي دعت للتعايش المشرقي وحظيت بإشادة مخرج نمساوي اعتبرها جاهزة للتنفيذ، إلا أنها بقيت حبيسة الأدراج بسبب التقاعس المؤسساتي النمساوي. كما برزت مسرحية “ظل الدكتاتور” (2010) بشحنتها التنبؤية العالية التي استشرفت الثورات العربية وآليات التوريث، وتضمنت شخصيات ذات دلالات رمزية عميقة، مثل “الزعيم” كرمز للمستبد، و”صقر” كوريث للعرش، و”كاسر” كوجه آخر للسلطة، و”رعد” كرمز للقوة العسكرية، و”سياف” كحارس أمني، و”عقاب” كوزير للدعاية، بالإضافة إلى “الشيخ هدهد” الذي يمثل رجل الدين المشرعن لخطاب السلطة.
رواية قلعة الملح وجسور الثقافة في Salzburg
في روايته “قلعة الملح”، اتخذ الناشف من مدينة Salzburg النمساوية مسرحاً لصراع الهويات، متجاوزاً مجرد الوصف المكاني. تدور أحداث الرواية حول شخصية “سامي إسماعيل” الذي يكتشف مدونات جده الجندي النمساوي الفار من الجيش النازي واللاجئ إلى سوريا، ليعود الحفيد إلى النمسا حاملاً هذه المذكرات كجسر ثقافي. ورغم هذا الثقل التاريخي، أبدى الكاتب زُهداً في ترجمة العمل حالياً، مرجعاً ذلك إلى حالة من الإحباط نتيجة غياب التفاعل المؤسساتي النمساوي الفعال مع نصوصه المترجمة.
المسيرة الإعلامية من الرقابة إلى “الرشاش الإعلامي”
وثقت الحلقة التحولات في المسيرة الإعلامية للصحفي السوري، بدءاً من الكتابة تحت وطأة الرقابة في سوريا، وصولاً إلى فضاءات الحرية في المنفى. وتطرقت الحلقة إلى محطته الأبرز حين حل ضيفاً على برنامج “الاتجاه المعاكس”، حيث أطلق عليه الإعلامي السوري فيصل القاسم لقب “الرشاش الإعلامي”. وجاء هذا الوصف نتيجة لما أظهره الناشف من ثقافة عالية، وسرعة بديهة في الحوار باللغة العربية الفصحى، وقدرة فائقة على المحاجة الصارمة التي لفتت الأنظار، نظراً لصغر سنه (29 عاماً) حينها.
التنقيب الآثاري في المكان وتحديات الاندماج
استعرض الناشف أسلوبه الخاص في السفر، والذي وصفه بـ “التنقيب الآثاري” عن الذات والتاريخ، حيث يزور الأماكن باحثاً عن “رائحة الزمن”، انطلاقاً من سوريا، مروراً بالأندلس، وصولاً إلى منطقة Wachau في النمسا. وشدد على أن معاينة المكان تمنح النص الأدبي صدقاً فريداً، مشيراً إلى زيارته لأرمينيا لمعاينة “المسمارية” كأول خط كُتب في التاريخ. وفي ختام اللقاء، وجه الكاتب انتقادات للمؤسسات الثقافية النمساوية، مفرقاً بين الاندماج المادي الذي يعتبره واجباً بديهياً، والاندماج المعنوي الذي يفتقر إلى مبادرات حقيقية لاحتضان المبدعين اللاجئين. واعتبر الناشف أن اتجاهه لدراسة الصحافة بدلاً من الأدب الإنجليزي كان “لحظة ندم” مهنية، مؤكداً أن الصحافة مادة سريعة الاستهلاك، في حين أن الأدب يزداد قيمة مع مرور الزمن كفعل مقاوم للنسيان.