دراسة لـ ÖAW تحذر: معدلات الولادة في النمسا في “سقوط حر” منذ 2008
النمسا ميـديـا – فيينا:
كشفت دراسة تحليلية حديثة أعدها الباحث الديمغرافي Tomáš Sobotka، نائب مدير معهد الديمغرافيا التابع للأكاديمية النمساوية للعلوم ÖAW، عن تراجع حاد ودراماتيكي في معدلات الولادة والإخصاب عالمياً يُوصف بأنه في “سقوط حر” مستمر منذ عام 2008؛ حيث أظهرت البيانات أن أجيال Gen Z وGen Alpha في النمسا ومختلف دول العالم تعيد صياغة أولوياتها وتؤجل خطط تأسيس العائلات أو تتخلى عن إنجاب الأطفال تماماً، متأثرةً بأزمات السكن المستفحلة، والقلق المستقبلي المترتب على أزمات المناخ والحروب، والضغوط الاقتصادية المتراكمة، فضلاً عن التحولات الاجتماعية والسلوكية الناجمة عن هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي والعالم الرقمي.
تراجع عالمي حاد وتغير راديكالي في معدلات الإنجاب
أوضح الباحث الديمغرافي Tomáš Sobotka في تحليله المنشور في المجلة المتخصصة Reproductive BioMedicine Online أن الأهداف التقليدية لبناء الأسرة والمنزل أصبحت مسألة من الماضي لدى معظم أفراد الأجيال الشابة. ففي العديد من دول العالم، بات معدل الخصوبة يبلغ 1.3 طفل لكل امرأة أو أقل، وهو معدل منخفض للغاية مقارنة بالمعدل المطلوب لاستقرار السكان البالغ 2.1 طفل (دون احتساب عوامل الهجرة). وفي النمسا، سجل معدل الخصوبة لعام 2025 حصراً 1.30 طفل لكل امرأة، فيما يعيش حالياً أكثر من ملياري نسمة—أي ما يعادل ربع سكان العالم—في بلدان تعاني من معدلات إنجاب منخفضة جداً. ولفت Sobotka إلى أن هذا التراجع يمثل اتجاهاً عالمياً استثنائياً وأطول مدى مقارنة بالتقلبات التي شهدتها العقود الماضية، متأثراً بظروف تشمل جميع أقاليم العالم باستثناء منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وتزداد حدة الأزمة لدى مواطني دول شرق آسيا؛ حيث يقل معدل الخصوبة الإجمالي عن طفل واحد لدى الكوريين الجنوبيين، والسنغافوريين، والتايوانيين، والصينيين، بالإضافة إلى انخفاض حاد لدى الأوكرانيين، والبيلاروس، والإسبان، والبولنديين في جنوب وشرق أوروبا.
أزمة السكن والقلق المستقبلي لدى أجيال Gen Z وGen Alpha
تؤكد البيانات أن التحول الحقيقي في سلوكيات الإنجاب لم يبدأ مع جائحة Covid-19 فحسب، بل تعود جذوره إلى الأزمة المالية العالمية عام 2008، والتي فرضت ضغوطاً اقتصادية شديدة جعلت الشباب يعانون للوصول إلى فرص عمل مستقرة وتأمين دخل كافٍ وتوفير سكن مناسب، مما دفعهم لتأجيل تأسيس العائلات. وأشار Sobotka إلى أن أجيال Gen Z وGen Alpha تجسدان هذا التغير الهيكلي؛ إذ تعدان أول أجيال في الدول الغربية تنظر إلى المستقبل بريبة وتشكك بالغين، ولا تتوقع تحقيق مستويات معيشة تضاهي أو تتجاوز ما حققه آباؤهم. ويتفاقم هذا الشعور بالإحباط وعدم اليقين بفعل الحروب المشتعلة وتداعيات أزمة المناخ، مما يؤثر سلباً على الرغبة في إنجاب الأطفال التي تتطلب انطباعات مستقبلية إيجابية.
تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وتراجع العلاقات الواقعية
شكلت التكنولوجيا والعالم الرقمي عاملاً رئيسياً في صياغة مفاهيم الأجيال الشابة حول الأمومة والوالدية. وبحسب Sobotka، فإن النمو في بيئة رقمية قلل من الضغوط الاجتماعية التقليدية المحفزة على إنجاب الأطفال، وفي الوقت نفسه أضعف الاهتمام بالتعارف والتواعد التقليدي. وفي شرق آسيا، يفرض التنافس المدرسي والمهني المحموم ضغوطاً هائلة تجعل الشباب يفتقرون للوقت والقدرة المادية على التواصل الشديد، مما يجعلهم يستعيضون بالشبكة الرقمية لتلبية احتياجاتهم العاطفية دون الاضطرار لمواجهة مواقف قد تسبب حرجاً اجتماعياً. وفي أوروبا، تتزايد هذه الظاهرة وإن بدرجة أقل؛ حيث تشير الدراسات إلى تراجع معدلات اللقاءات المباشرة والعلاقات الحميمة لدى الشباب النمساويين والأوروبيين بسبب ملازمة الشاشات، مما أدى إلى تراجع المهارات الاجتماعية اللازمة لبناء علاقات طويلة الأمد، يضاف إلى ذلك اتساع الفجوة الفكرية والسياسية بين الشباب والشابات حول قضايا المساواة والتخطيط اليومي.
الفجوة المعيشية وضغوط الدخل بين الأجيال
على الرغم من أن مستوى المعيشة المطلق حالياً يعد الأعلى تاريخياً، إلا أن مقارنة الدخل والوضع النسبي بين الأجيال تلعب الدور الأكبر في اتخاذ قرار الإنجاب. وأوضح Sobotka أنه حتى في الدول الغنية والمستقرة ذات سياسات الدعم الأسري المتميزة، مثل النرويج، شهدت أجور الشباب ركوداً ملحوظاً خلال فترة عشرينيات القرن الحالي (في أعقاب الأزمة المالية)، مقابل استمرار ارتفاع دخل الفئات العمرية المتوسطة والكبيرة. هذا التفاوت وضع الشباب تحت ضغوط اقتصادية نسبية قاسية، موازاة مع تراجع الشعور بالقدرة على التحكم بالظروف المباشرة. ونتيجة لهذه التعقيدات، يضطر الأزواج إلى تأجيل الإنجاب لأعمار متأخرة، مما يقلص النافذة الزمنية المتاحة حيوياً لإنجاب عدة أطفال، مع وجود مؤشرات غير حاسمة بعد حول تأثير السموم البيئية على جودة الحيوانات المنوية.
حدود السياسات الأسرية وآفاق إعادة هيكلة العقد الاجتماعي
شدد الباحث على أن الحوافز المالية الصرفة لم تعد كافية لزيادة معدلات الولادة في ظل تغير القناعات، وإن كانت التدابير الاجتماعية لدى السويديين، والنرويجيين، والفنلنديين، والفرنسيين تساهم في منع هبوط المعدلات إلى المستويات المتردية المسجلة لدى المجتمعات الآسيوية. وأكد أن حل أزمة السكن لا يتحقق بمجرد ضخ الأموال الحكومية أو دعم القروض العقارية الذي قد يغذي الفقاعات الاستثمارية، بل يتطلب حلولاً محلية وطويلة الأمد. وخلص Sobotka إلى أن تراجع معدلات الإنجاب سيتواصل مستقبلاً، مما يفرض تعديل العقد الاجتماعي بين الأجيال Generationenvertrag، مبيناً أنه إذا امتد الحجم الانكماشي إلى دول ذات دخل متوسط مثل الهنود، فإن ذروة سكان العالم قد تتحقق في منتصف القرن الحالي وتصل إلى نحو 8.5 مليار نسمة بحلول عام 2040، ليصبح التركيز متجهاً نحو الحفاظ على البيئة وزراعة الأشجار بدلاً من بناء المنازل وإنجاب الأطفال.