مواجهة سياسية حول قانون المناخ في النمسا.. المعارضة تحذر من الغلاء وحزب الخضر يصفه بـ “الادعاء الواهي”

النمسا ميـديـا – فيينا:

أحالت الحكومة النمساوية يوم الجمعة مشروع قانون المناخ الجديد طال انتظاره إلى مرحلة التقييم والدراسة الرسمية، والذي يستهدف تحقيق الحياد المناخي في البلاد بحلول عام 2040 عبر تقليل الانبعاثات والتكيف البيئي وتطبيق الاقتصاد الدائري، وسط موجة من الانتقادات الحادة واللاذعة من منظمات البيئة والمناخ التي اعتبرت المشروع “مفرغاً من مضمونه” ويفتقر إلى أهداف ملزمة، مقابل تحذيرات شديدة من ممثلي القطاع الاقتصادي والصناعي من الأعباء المالية والضغوط الاستثمارية الإضافية التي سيفرضها القانون على الشركات والمؤسسات.

أهداف حكومية و”خارطة طريق” مرتقبة بحلول 2027

خلال المؤتمر الصحفي المخصص لتقديم قانون المناخ، صرّح وزير البيئة النمساوي Norbert Totschnig (عن حزب ÖVP) بأن النمسا حققت بالفعل إنجازات كبيرة في مجال حماية المناخ، موضحاً أن المستهدفات الجديدة المحددة في المشروع تحمل “طابعاً إعلانياً وتصريحياً”، ومشيراً إلى أنه من المقرر إعداد أول “خارطة طريق للمناخ” (Klimafahrplan) بحلول نهاية عام 2027.

من جانبها، أوضحت المتحدثة باسم البيئة في حزب SPÖ، السيدة Julia Herr، خلال المؤتمر الصحفي أن فنلندا هي الدولة الوحيدة التي تضع أهدافاً مناخية أكثر طموحاً من النمسا. بينما أكد المتحدث باسم البيئة في حزب NEOS، السيد Michael Bernhard، أن القانون الجديد يربط بنجاح بين “حماية المناخ والاقتصاد والابتكار”.

انتقادات بيئية حادة: Greenpeace وGlobal 2000 تحذران من “الثغرات”

في المقابل، أعربت عدة منظمات بيئية عن رفضها لصيغة المشروع؛ حيث أشارت منظمة Greenpeace في بيان لها إلى أنه رغم الضغوط الممارسة من القطاع الاقتصادي، تم الإبقاء على هدف تحقيق الحياد المناخي لعام 2040، “ولكن بصيغة مفرغة وبدون مسارات أهداف محددة”. وأضافت المنظمة أن المسودة تتضمن “ثغرات وخلفيات خطيرة تتيح إعادة التداول والمفاوضات بشأن خارطة الطريق وهدف 2040 في حال حدوث تطورات اقتصادية كلية خطيرة”.

من جانبها، قيمت منظمة Global 2000 الإقرار المبدئي بالحياد المناخي بشكل إيجابي، لكنها حذرت من أنه “في ظل وجود خارطة طريق مناخية غير ملزمة وغياب أي تبعات قانونية عند عدم الالتزام”، يواجه القانون خطر البقاء مجرد حبر على ورق، مشددة على ضرورة إدخال تعديلات جوهرية خلال فترة التقييم.

WWF وFridays For Future: “حزمة مضللة” ولا تكفي لمواجهة التغير المناخي

وصفت منظمة WWF مشروع قانون المناخ بأنه “حزمة مضللة” (Mogelpackung)؛ إذ ترى أن الالتزام القانوني بالحياد المناخي لعام 2040 يظل مجرد ادعاء ورقي ما لم يرافقه تنفيذ سريع للإجراءات. وانتقدت المنظمة بشدة “شرط حماية الموقع الاقتصادي” (Standortklausel)، الذي يتيح تعديل خارطة الطريق في حال حدوث اضطرابات اقتصادية كلية جسيمة.

كما وجهت حركة Fridays For Future انتقادات مماثلة، مؤكدة في بيان لها: «الإعلان اليوم عن إجراءات لعام 2027 ليس كافياً؛ فنحن نقيم الحكومة بناءً على التنفيذ الفعلي ومدى انخفاض الانبعاثات ودرجات الحرارة». وفي سياق متصل، لفتت الجمعية النمساوية لحماية الحيوان (Österreichischer Tierschutzverein) إلى أن الحيوانات تعاني بشكل مضاعف من تداعيات التغير المناخي.

(مفهوم الحياد المناخي: يُقصد بالحياد المناخي تحقيق التوازن بين الانبعاثات الضارة من الكربون وتثبيتها أو إعادة امتصاصها من الغلاف الجوي عبر التربة والغابات والمحيطات).

قراءة اقتصادية وتحليلية من الخبيرة Sigrid Stagl

اعتبرت الخبيرة والاقتصادية المناخية Sigrid Stagl من جامعة فيينا للاقتصاد والأعمال (WU Wien) أن مسودة القانون تمثل “خطوة إلى الأمام”، لكنها محاطة بالعديد من علامات الاستفهام. وأوضحت أن تحديد السقوف الوطنية السنوية للانبعاثات حتى عام 2030 ليس بالأمر الهين، إلا أن آليات تعويض الانحرافات عن الأهداف والتوقيت الفعلي لتفعيل “شرط حماية الموقع” لا تزال غير واضحة.

وقدمت Sigrid Stagl أرقاماً حسابية في تصريح لوكالة الأنباء النمساوية (APA)، مشيرة إلى أن الحدود القصوى المقترحة تتطلب خفض غازات الاحتباس الحراري بمقدار 2.75 مليون طن سنوياً اعتباراً من عام 2026، أي بنسبة إجمالية تصل إلى 27% بحلول عام 2030. وللمقارنة، انخفضت الانبعاثات في هذه القطاعات بمقدار 1.2 مليون طن فقط في عام 2025، وحتى مع هذا الانخفاض تم تجاوز الكمية المسموح بها بمقدار 0.8 مليون طن.

وأكدت الخبيرة أن تطبيق القانون لن يبدأ من الصفر، بل من وضع قائم يشهد بالفعل تجاوزاً للمعدلات. وأضافت أنه حتى في حال تطبيق الخطة الوطنية للطاقة والمناخ لعام 2030 بالكامل، فستظل هناك “فجوة بنسبة 7% يجب تغطيتها عبر شراء شهادات انبعاثات إضافية، وهو ما سيرتب أعباء مالية على الميزانية العامة”، مع عدم تحديد القواعد الواردة حول ما إذا كانت الحكومة الاتحادية أم الولايات هي التي ستتحمل هذه التكاليف.

تقييم معهد Kontext ومواقف الهيئات الاقتصادية WKO وIV

أوضح معهد Kontext في بيان صحفي أن ممثلي الأحزاب الحكومية أصابوا في الإشارة إلى الفرص الاقتصادية الناتجة عن التحول البيئي والحد من الاعتماد على النفط والغاز. إلا أن المعهد انتقد اقتصار الإلزام القانوني في المسودة على أهداف الاتحاد الأوروبي المناخية فقط، مشيراً إلى أن السقوف السنوية وأهداف القطاعات وإجراءات التصحيح ترتبط بأهداف الاتحاد الأوروبي وليس بالوصول للحياد المناخي الوطني لعام 2040.

من جهتها، أكدت الغرفة الاقتصادية النمساوية (WKO) التزامها بأهداف المناخ الأوروبية لعام 2050، لكنها شددت على أن «أي إجراءات إضافية تفرض أعباءً زائدة على الشركات تعد غير مقبولة للقطاع الاقتصادي»، مشيرة إلى أن تقريب الهدف الوطني إلى عام 2040 يقلص الفترة الانتقالية بمقدار 10 سنوات ويزيد الضغوط الاستثمارية دون فائدة حقيقية للمناخ. كما وصف اتحاد الصناعيين (IV) النص القانوني على هدف 2040 بأنه “مسار خاطئ اقتصادياً ومناخياً”. وقبل هذه الانتقادات، كان المتحدث البيئي لحزب NEOS، السيد Michael Bernhard، قد استبق هجوم الغرفة الاقتصادية متهماً إياها بالتصرف ضد مصالح أعضائها من الشركات.

تحذيرات المعارضة: تحفظات FPÖ وهجوم حاد من حزب الخضار

حذر حزب الحرية النمساوي (FPÖ) من التكاليف الباهظة للقانون؛ حيث صرح المتحدث البيئي للحزب Thomas Spalt قائلاً: «لا يحق للحكومة الاكتفاء بتقديم أهداف مناخية وهياكل جديدة، بل يجب عليها الكشف بشفافية عن الأعباء المالية التي ستقع على كاهل الأسر والعاملين والشركات».

وانضمت الكتلة البرلمانية لحزب الخضار (Die Grünen) إلى انتقادات المنظمات البيئية؛ حيث وصفت رئيسة الكتلة Leonore Gewessler هدف الحياد المناخي لعام 2040 بأنه مجرد “ادعاء واهٍ”، مضيفة: «أطفالنا هم من سيدفعون ثمن هذا التنازل الضعيف، وبتقاعسكم هذا أنتم تتخلون عنهم».

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى