
النمسا ميـديـا – فيينا:
تواجه السلطات والجهات المسؤولة عن قطاع المياه في النمسا أزمة تمويل جديدة لتحديث شبكات مياه الشرب والصرف الصحي؛ حيث تقدر الفجوة المالية بنحو 50 مليون يورو سنوياً لمواجهة التكاليف المتزايدة والتغيرات المناخية. وفي حين دعت منظمة “Greenpeace” البيئية اليوم الخميس إلى فرض رسوم على استهلاك المصانع والمؤسسات الصناعية للمياه الجوفية لسد هذا العجز، أعلنت وزارة الزراعة والمناخ والبيئة ورابطة الصناعيين (IV) رفضهما لهذه الفكرة باعتبارها محركاً للتضخم قد يرفع الأسعار على المواطنين والركاب والسكان من النمساويين والمقيمين.
مقترح Greenpeace لفرض رسوم على المياه الجوفية الصناعية
تُقدّم الحكومة النمساوية حالياً دعماً قدره نحو 100 مليون يورو لإمدادات مياه الشرب وصرف المياه، إلا أن شركات ومؤسسات تزويد المياه تؤكد أن الحفاظ على الشبكة وتطويرها يتطلب ما لا يقل عن 150 مليون يورو سنوياً. ووفقاً لحسابات نشرتها منظمة Greenpeace البيئية يوم الخميس، يمكن سد هذه الفجوة المالية من خلال فرض رسوم على استخراج المياه الجوفية للاستخدام الصناعي.
وأشارت المنظمة إلى أن تطبيق رسوم على المياه الجوفية الصناعية أسوة بما هو معمول به في ولاية بافاريا الألمانية قد يدرّ أكثر من 30 مليون يورو سنوياً، بينما قد تتجاوز الإيرادات 100 مليون يورو إذا تم تطبيق معدل الرسوم المعتمد في برلين. وأضافت Greenpeace: “في الوقت الذي تستخدم فيه القطاعات الصناعية في النمسا المياه الجوفية مجاناً لتحقيق أرباح خاصة، أصبحت الرسوم على المياه أمراً بديهياً منذ فترة طويلة في فرنسا وأغلب الولايات الألمانية”.
رفض رسمي ومخاوف من ارتفاع معدلات التضخم
في المقابل، قوبل مقترح Greenpeace برفض رسمي؛ حيث أكدت وزارة الزراعة والمناخ والبيئة النمساوية (التي تتولى قيادتها ÖVP) أن “فرض رسوم على المياه ليس مخططاً له في الوقت الحالي ولا يتضمنه برنامج الحكومة الحالي”.
وأوضحت Monika Mörth، رئيسة قسم إدارة المياه بالوزارة، في تصريحات لـ ORF.at: “نرجح أن تسعير المياه لن يحصل حل للمشكلة”، مشيرة إلى أن فرض رسوم من هذا النوع سيكون محركاً للتضخم، وسيعاد تمرير هذه التكاليف في النهاية إلى المستهلكين والجمهور.
من جانبه، اتفق Peter Koren، نائب الأمين العام لرابطة الصناعيين (IV)، مع هذا الطرح قائلاً: “القطاع الصناعي يتعامل بالفعل بكفاءة عالية مع ملف المياه. إضافة ضريبة وطنية جديدة على المياه لن تؤدي إلا إلى زيادة أعباء المعيشة على السكان”. وأشار Koren إلى أن المنشآت الصناعية تدفع بالفعل مقابل البنية التحتية لاستخدام المياه من خلال الرسوم المفروضة على مستوى الولايات والبلديات.
مطالب اتحاد مياه الشرب (ÖVGW) وتمويل البنية التحتية
من جهتها، شددت Anna Selitsch، رئيسة قطاع المياه في الجمعية النمساوية للغاز والمياه (ÖVGW)، على الحاجة إلى تمويل مستدام؛ حيث قالت: “نحتاج بالطبع إلى تمويل مستدام لإمدادات المياه المخصصة للتجمعات السكنية وأسعار مياه عادلة تضمن ميزانية كافية مستقبلاً لتتمكن الأجيال القادمة من الاعتماد على بنية تحتية تعمل بشكل جيد”. لكن ÖVGW لا تؤيد فرض رسوم خاصة على استهلاك الصناعة للمياه الجوفية.
وبدلاً من ذلك، طالب اتحاد مزودي مياه الشرب منذ بداية العام الجاري بـ “تمويل مشترك سنوياً لا يقل عن 150 مليون يورو من الحكومة الاتحادية للحفاظ على قيمة المنشآت القائمة”، بالإضافة إلى تخصيص ميزانيات إضافية لمواجهة تداعيات التغير المناخي. ورغم ذلك، تتمسك Greenpeace بمطلبها بفرض رسوم بقيمة 10 سنتات لكل متر مكعب من المياه الجوفية المستهلكة صناعياً، وتخصيص هذه الإيرادات حصرياً لدعم وتوسيع وصيانة بنية مياه الشرب التحتية.
توزيع استهلاك المياه الجوفية وغياب البيانات الدقيقة
وفقاً لدراسة “Wasserschatz” الصادرة عن وزارة المناخ والبيئة عام 2021، تشكل المنشآت الصناعية في النمسا نحو ثلث إجمالي استهلاك المياه الجوفية (33%)، بينما يستهلك القطاع الزراعي نحو 10%، ويذهب الجزء الأكبر (60%) لقطاع إمدادات المياه العامة الذي يشمل التجمعات السكنية والأسر والمؤسسات العامة والأنشطة التجارية.
ومع ذلك، لا تتوفر حالياً أرقام رسمية ومحدثة بدقة حول إجمالي حجم استهلاك المياه الجوفية بحسب القطاعات. ولهذا السبب، تطالب Greenpeace ورئاسة ديوان المحاسبة النمساوي (Rechnungshof) منذ فترة طويلة بإنشاء سجل رقمي لاستخراج المياه الجوفية لتحديد كميات وأوقات الاستهلاك في كل قطاع. وتدعم ÖVGW هذا التوجه، مؤكدة أن “تسجيل استهلاك المياه عبر عدادات لجميع القطاعات سيحقق الشفافية المطلوبة ويجب تطبيقه في أقرب وقت”.
سجل رقمي مرتقب لإدارات المياه
تجري حالياً صياغة مسودة قرار لإنشاء سجل رقمي شامل لاستخراج المياه، رغم أنه لم يتم تحديد موعد دقيق لدخوله حيز التنفيذ. ووصفته Monika Mörth بقولها: “هذا هو أكبر مشروع رقمنة على الإطلاق في تاريخ إدارة المياه في النمسا”، مشيرة إلى أن المشروع يتطلب رقمنة الترخيصات القديمة، وستكون البيانات مجهزة للاطلاع العام وفقاً لقوانين حماية البيانات.
انخفاض قياسي في مستويات المياه الجوفية واستقرار التزويد
تعتمد النمسا في تزويد مياه الشرب كلياً على المياه الجوفية وليس على المياه السطحية كالأنهر والبحيرات. وقد عانت مستويات المياه الجوفية بشدة بسبب جفاف الصيف وانخفاض معدلات الهطل المطري والثلجي خلال الخريف والشتاء السابقين.
وتظهر البيانات أن أكثر من 90% من محطات القياس تسجل مستويات منخفضة أو منخفضة جداً للمياه الجوفية، بينما تسجل نصف محطات القياس جفافاً غير مسبوق في مثل هذا الوقت من العام، ونحو خمس المحطات تسجل أدنى مستويات على الإطلاق في تاريخ قياساتها.
ورغم هذه الأرقام، أكدت Monika Mörth أن “إمدادات مياه الشرب في النمسا كانت ولا تزال مضمونة على نطاق شامل”، مشيرة إلى أن بعض الاختناقات المؤقتة ظهرت فقط في بلديات محدودة نتيجة الارتفاع المفاجئ في الطلب؛ حيث إن البنية التحتية لمزودي المياه الصغار مصممة للاستهلاك المنتظم وليس للاستهلاك الأقصى المفاجئ (مثل ملء الحسابات والمسابح المنزلية في أول نهاية أسبوع دافئة في الربيع). وأوصت Mörth بضرورة ترشيد الاستهلاك طوال العام.
التغير المناخي وتحديث التشريعات المائية
تزداد التأثيرات المناخية وضوحاً في وضع المياه الجوفية بالنمسا؛ إذ تسبب ارتفاع درجات الحرارة في زيادة معدلات تبخر المياه قبل تسربها إلى التربة بمقدار نحو 80 لتراً لكل متر مربع (ما يزيد على نصف سعة حوض استحمام).
وأكدت Anna Selitsch من ÖVGW على أهمية التخطيط المناسب لرفع كفاءة وصمود شبكات المياه، قائلة: “يجب تعديل قانون حقوق المياه (Wasserrechtsgesetz) ليتكيف مع الظروف المناخية الجديدة وضمان أولوية إمدادات مياه الشرب”. ويشمل ذلك تطوير ينابيع جديدة وتوسيع قدرات التخزين، بالإضافة إلى تعزيز التعاون وتبادل المياه بين مختلف شركات التزويد في أوقات الجفاف، مع التشديد على الاستخدام المرشد والمستدام لمياه الشرب في المنازل والصناعة والزراعة.