تهريب البشرسورياغسيل أموالفيينا

تحقيقات تكشف كواليس نظام “الحوالة” الخفي وتفكيك أكبر شبكة سورية لتبييض أموال التهريب في فيينا

النمسا ميـديـا – فيينا:

كشف تحقيق استقصائي أعدته هيئة الإذاعة والتلفزيون النمساوية ORF بالتعاون مع شبكة التحقيقات التابعة لاتحاد البث الأوروبي EBU عن الأبعاد الخطيرة لنظام “الحوالة” المالي الخفي في النمسا وأوروبا، باعتباره شبكة مالية موازية تُستخدم لنقل وتبييض أموال بمليارات اليورو لصالح الجريمة المنظمة، ولا سيما شبكات تهريب البشر وتجارة المخدرات وترويج الإرهاب. وتُظهر التحقيقات الأمنية والقضائية أن النمسا باتت محطة رئيسية لهذه العمليات غير القانونية، حيث تُدار الأنشطة الموازية بعيداً عن الرقابة المصرفية الرسمية عبر الغرف الخلفية للمتاجر والمطاعم في العاصمة فيينا ومختلف الولايات.

حجم التعاملات وآلية عمل نظام الحوالة الخفي

تُقدر حجم التحويلات المالية التي تتم عبر نظام الحوالة التقليدي والمحظر في الاتحاد الأوروبي بأكثر من 200 مليار دولار أمريكي (ما يعادل 172 مليار يورو) سنوياً على مستوى العالم. ويعتمد هذا النظام على الثقة المتبادلة بين الوسطاء التجاريين المعروفين باسم الحوالدارية، حيث تتم العمليات في الغرف الخلفية للمتاجر والمطاعم دون وجود أي أثر ظاهري. وفي النمسا، تشير تقديرات المكتب الفيدرالي لمكافحة الجريمة Bundeskriminalamt إلى وجود مئات المحال التجارية التي تقدم هذه الخدمات بشكل غير قانوني. وتتلخص آلية العمل في تسليم الشخص مبالغ نقدية لوسيط حوالة محلي مع تحديد المستلم في دولة أخرى، ليقوم الوسيط إثر ذلك بإبلاغ شريكه عبر تطبيق WhatsApp لتسليم المبلغ مقابل كلمة سر متفق عليها، مع تقاضي عمولة تتراوح بين 1% و7%، وتسوية الحسابات بين المتبايعين لاحقاً عبر معاملات تجارية أو شحنات نقود أو تحويلات مقابلة.

بين الحجة الاجتماعية والملاحقة القانونية

على الرغم من أن نظام الحوالة يحظى بانتشار واسع في الثقافة الإسلامية وله جذور تاريخية قديمة، ويُستخدم من قبل العديد من المهاجرين لإرسال الأموال إلى عائلاتهم في بلدانهم الأصلية بتكلفة أقل ومنعاً لإحراج ذويهم أمام سلطات أمر واقع مثل طالبان، إلا أنه يظل نظاماً غير قانوني في أوروبا بصفته خدمة دفع غير مرخصة بدون امتياز رسمي. وفي النمسا، تُعاقب السلطات على هذه الممارسات بغرامات وإجراءات إدارية، بينما تصفه Lucy Myles، رئيسة قسم الجرائم المالية في Europol، بـ “البنك الموازي الضخم” والشريان الحيوي للجريمة المنظمة العابرة للحدود.

شبكة قارية وكشف مجموعة WhatsApp تضم المئات

تتضح أبعاد هذا النظام العابر للحدود من خلال محاكمة قضائية كبرى شهدتها بلجيكا عام 2024، حيث فككت السلطات الهاتف الخاص بالمتهم الرئيسي المعروف باسم “Abou Adam”، المتهم بتمويل الإرهاب عبر نظام الحوالة، وعثرت فيه على أكثر من 82,000 رسالة. وكشفت التحقيقات عن وجود مجموعة خاصة عبر تطبيق WhatsApp تحمل اسم “The Traders of Great Europe” تضم أكثر من 500 وسيط حوالة تبادلوا رسائل لطلب وتحويل مبالغ تتجاوز 5,000 يورو لكل عملية. وصرح المدعي العام الرئيسي Vincent Guerra بأن مئات الملايين من اليوروهات تم نقلها بين الدول خلال أشهر قليلة فقط، مما أسفر عن صدور أحكام بالسجن لعدة سنوات ضد ستة متهمين، من بينهم “Abou Adam” الذي أُدين أيضاً بتهمة تمويل الإرهاب.

أكبر مكتب حوالة في النمسا خلف مطعم كباب على Wiener Gürtel

وفي النمسا، أصدرت المحكمة الجنائية الإقليمية في فيينا Straflandesgericht Wien في يوليو 2025 أحكاماً غير نهائية بالسجن لفترات طويلة بحق رجلين وامرأة يحملون الجنسية السورية لإدارتهم ما وُصف بـ “أكبر مكتب حوالة في النمسا” من الغرفة الخلفية لمطعم كباب يقع على شارع Wiener Gürtel. وتولى المتهمون إدارة المعاملات المالية المباشرة لمئات عمليات تهريب المهاجرين. وحُكم على المتهم الرئيسي Jamil A. بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة المساعدة في تهريب البشر، حيث أشار قرار المحكمة إلى عدم وجود ملف تقريباً يتعلق بتهريب البشر في فيينا يخلو من اسمه أو اسم مطعمه. كما حُكم على شقيقه وشريكته بالسجن 8 و6 سنوات بتهم التسبب في إصابات جسدية والاعتداء الجنسي بعد قيامهما بتعذيب واغتصاب أحد ساعي بريد الحوالة.

عملية Operation Ancora وإطاحة بشبكة هربت 100 ألف شخص

وفي مارس الماضي، قاد مكتب التحقيقات الجنائية بولاية شتايرمارك بالتعاون مع Europol عملية أمنية واسعة حملت اسم “Operation Ancora”، أسفرت عن تفكيك شبكة تهريب دولية ممولة عبر الحوالة واعتقال 130 شخصاً. وكانت الشبكة مسؤولة خلال عام ونصف فقط عن تهريب نحو 100,000 شخص إلى أوروبا. ولعب متجر لبيع الهواتف المحمولة في حي Wien-Ottakring دوراً محورياً في إدارة وتصفية هذه الأموال، حيث يتواجد حالياً ستة متهمين رئيسيين في السجن الاحتياطي Justizanstalt Josefstadt بانتظار توجيه التهم الرسمية. وأكد Gerald Tatzgern، رئيس قسم مكافحة تهريب البشر في المكتب الفيدرالي لمكافحة الجريمة Bundeskriminalamt، أن الشبكة حققت أرباحاً إجرامية تجاوزت ملياري يورو على مر السنين.

نظام ضامن لتهريب البشر والشركات الوهمية لتبييض الأموال

وأوضح Gerald Tatzgern أن نظام الحوالة يعمل بمثابة “تأمين على الحياة” أو نظام ضمان للمهاجرين المهربين؛ حيث يتم إيداع الأموال لدى وسيط حوالة في سوريا مثلاً، ولا يتم دفعها للمهرب في وجهة الوصول إلا بعد تقديم إثبات يؤكد وصول المهاجر بسلام، مؤكداً أنه “في حال وفاة المهاجر لا يحصل المهرب على أي مقابل”. وأضاف Tatzgern أن المراقبة الميدانية لمتجر الهواتف في Wien-Ottakring كشفت عن تحويل ملايين اليوروهات رغماً عن المظهر البسيط للمشغلين. ولكي يتم إدخال هذه الأموال غير المشروعة في الدورة المالية الرسمية، تلجأ الشبكات إلى إنشاء شركات وهمية تُعرف بـ “Invoice Factorys” لإصدار فواتير مزورة لشركات تسعى للتهرب الضريبي أو الحصول على أموال غير مسجلة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى