حصاد مبكر للعنب في النمسا السفلى وشتايرمارك وسط ضغوط المناخ وتغير خيارات المستهلكين
النمسا ميـديـا – النمسا السفلى:
تخوض قطاعات الزراعة وإنتاج النبيذ في النمسا ومختلف أنحاء أوروبا سباقاً مع الوقت جراء موجة الحر والجفاف الطويلة التي تضرب القارة هذا العام، إذ اضطر المزارعون والمنتجون إلى انطلاق موسم حصاد العنب مبكراً عن المعتاد بدرجة قياسية للحد من الخسائر، وسط توقعات رسمية بتراجع حاد في كميات المحصول وتزايد الضغوط الاقتصادية والمناخية، وهو ما يضع الكروم النمساوية أمام اختبار هيكلي غير مسبوق في النصف الثاني من شهر أغسطس.
موجة حر وجفاف غير مسبوقة تعجل بموسم الحصاد في أوروبا والنمسا
تسببت درجات الحرارة المرتفعة وفترات الجفاف الممتدة في وضع المزارعين والمنتجين أمام اختبارات صعبة في العديد من البلدان الأوروبية، ومن بينها النمسا. وقد بدأ حصاد العنب هذا العام في وقت مبكر بشكل غير عادي في مناطق عدة بكل من فرنسا وإيطاليا وألمانيا، حيث انطلقت العملية في جزيرة صقلية الإيطالية منذ أواخر شهر يوليو. وفي النمسا، بدأ بعض المزارعين بالفعل في حصاد العنب المخصص لإنتاج النبيذ الفوار (Schaumwein)، بينما يقفون على أهبة الاستعداد لبدء الحصاد الرئيسي. وأكد الخبراء أن التغير الجوي المرتقب وانخفاض درجات الحرارة لن يغير من هذا الواقع شيئاً، إذ يُظهر التطور النباتي هذا العام تقدماً بمقدار 12 يوماً مقارنة بالمتوسط العام، وفقاً لبيانات هيئة التأمين ضد البرد النمساوية (Österreichische Hagelversicherung). وبناءً على ذلك، يقع موسم الحصاد الرئيسي لهذا العام في النصف الثاني من شهر أغسطس اعتماداً على الموقع والصنف والمجال، في حين يجري حصاد العنب المخصص لنبيذ Sturm في العديد من المناطق خلال هذه الأيام.
توقعات بتراجع المحصول بنسبة الثلث وتضرر الكروم الشابة
يتوقع الاتحاد النمساوي لزراعة النبيذ (Österreichische Weinbauverband) تراجعاً مؤكداً في إجمالي المحصول هذا العام بسبب الحرارة المرتفعة والجفاف المستمر. وعلى الرغم من أنه لا يزال من المبكر تقديم توقعات رقمية نهائية نظرًا لأن هطول الأمطار قد يغير الوضع قليلاً، إلا أن الكميات ستكون بالتأكيد أقل من العام الماضي. وفي هذا السياق، صرح المزارع Gerhard Markowitsch من بلدة Göttlesbrunn في النمسا السفلى، في مقابلة مع ORF.at، بأنه يتوقع انخفاض المحصول بنسبة تصل إلى الثلث مقارنة بالأعوام السابقة، مشيراً إلى أن ثمار العنب أصبحت أقل وزناً وتحتوي على نسبة عصير أقل بكثير. ويستعد Gerhard Markowitsch لبدء الحصاد خلال الأيام القليلة القادمة، مع التركيز على شجيرات العنب الشابة التي تعد الأكثر تضرراً من الجفاف لكون جهازها الجذري لم يكتمل نموه بعد في أعماق التربة. وأضاف أن تكرار هذه الظروف المناخية القاسية سنوياً يترك أثراً ممتداً تخزنه النباتات، مما ينعكس سلباً على نموها وخضوبتها في الأعوام التالية.
الإجهاد الحراري يهدد جودة الثمار ويفقدها التوازن المطلوبة
أوضح الاتحاد النمساوي لزراعة النبيذ أن الجفاف بمفرده لا يشكل خطورة بالغة على شجيرات العنب، لأن جذورها قادرة على امتصاص المياه من طبقات التربة العميقة، إلا أن الأزمة الحقيقية تكمن في اقتران نقص المياه بارتفاع درجات الحرارة إلى ما بين 30 و35 درجة مئوية. في هذه الحالة، تلجأ شجيرة العنب إلى آلية دفاعية تُغلق بموجبها مسامها للحد من فقدان الماء، مما يؤدي إلى تقليص عملية البناء الضوئي وإبطاء النمو. علاوة على ذلك، تتعرض ثمار العنب لحروق الشمس والأضرار الحرارية، مما يؤثر بشكل مباشر على عملية النضج، ويغير من التوازن الدقيق للسكريات والحموضة والنكهات العطرية. وعلى الرغم من أن الجفاف المعتدل قد يرفع جودة نبيذ العنب الأحمر من خلال زيادة مستويات النضج، إلا أن الظروف الحالية تجاوزت الحد المسموح به حتى بالنسبة لأجود أنواع العنب الأحمر.
إجراءات طارئة وتكيف طويل الأمد لمواجهة التغير المناخي
وصف المزارع Gerhard Markowitsch الظروف الجوية الحالية بأنها “مجهدة للغاية”، مؤكداً أن العديد من المزارعين شعروا بالعجز أمام هذه الوضعية. وتقتصر التدابير القصيرة الأجل على تخفيف الأوراق حول الثمار بشكل محدود لتوفير الظل الجزئي وحمايتها من أسباب الاحتراق، إضافة إلى تقليم بعض عناقيد العنب لتخفيف العبء عن الشجيرات وإتاحة كميات أكبر من الماء للثمار المتبقية، ولا سيما الكروم الشابة. أما على المدى الطويل، فقد أكد الاتحاد النمساوي لزراعة النبيذ على ضرورة إدخال تعديلات هيكلية على أساليب إدارة الأراضي والزراعة، مثل إنشاء أنظمة ري حديثة وتطوير تقنيات احتجاز المياه، والاعتماد على زراعة مقتصدة للمياه وتحسين بنية التربة للتكيف مع المناخ القاسي.
أزمة مبيعات وتغير في سلوك المستهلك يضغطان على المنتجين
لا يقتصر التأثير على حجم المحصول فحسب، بل يمتد إلى خصائص النبيذ المُنْتَج، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل التراجع الحالي في المبيعات. وأشار Johannes Schmuckenschlager، رئيس الاتحاد النمساوي لزراعة النبيذ، في تصريحات لـ Ö1 إلى أن ارتفاع الحرارة يؤدي إلى زيادة نسبة النضج والسكريات في الثمار، وهو ما يترجم إلى نسبة كحول أعلى في المنتج النهائي. إلا أن التوجهات الحالية للأسواق تتطلب إنتاج نبيذ بنسب كحول معتدلة لتلبية رغبات المستهلكين. وتواجه قطاعات النبيذ في أوروبا أزمة مبيعات مستمرة نتيجة الأوضاع الاقتصادية والسياسية العامة، والرسوم الجمركية الأمريكية، وتغير سلوك المستهلكين. وعلى الرغم من أن النمسا تنتج غالبًا النبيذ الأبيض الذي لا يزال مطلوباً، إلا أن المزارعين النمساويين يعانون أيضاً من تراكم كميات ضخمة من النبيذ الأحمر في المخازن دون وجود منافذ بيع كافية.
مقترح بتحويل 10 ملايين لتر من النبيذ الأحمر إلى كحول صناعي
نتيجة لتكدس المخازن بالنبيذ الأحمر، أعلن الاتحاد النمساوي لزراعة النبيذ عن تدارس إمكانية اللجوء إلى ما يُعرف بـ “التقطير الأزمي” (Krisendestillation) لما يصل إلى 10 ملايين لتر من النبيذ الأحمر الفائض، حيث يتم تحويل النبيذ غير المباع إلى كحول صناعي لتفريغ الأسواق والمخازن. ومن جانبه، أعرب Gerhard Markowitsch عن موقف متريث تجاه هذا المقترح، مشيراً إلى أنه يتفهم أهمية تخفيف الضغط عن السوق، لكنه لا يرى في التتقطير حلًا مستداماً لمستقبل سوق النبيذ. ودعا إلى ضرورة التركيز على الاستجابة الحقيقية لمتطلبات السوق وإيقاف زراعة المساحات التي لا يمكن تسويق إنتاجها. وفي الوقت الذي تتجه فيه دول كبرى مثل فرنسا وإسبانيا إلى قلع وتقليص المساحات المزروعة بالكروم على نطاق واسع، أكد Johannes Schmuckenschlager أن النمسا لا تتجه حالياً لنزع الكروم على نطاق واسع، لكن بعض المزارعين بدأوا بالفعل بإعادة هيكلة وتغيير أصناف العنب الأحمر، بينما أبدى Gerhard Markowitsch تفاؤله بمستقبل النبيذ الأحمر مؤكداً أنه سيعود إلى الصدارة مجدداً كما كان في تسعينيات القرن الماضي.
