رسوم دخول المدينة وتخفيض السرعة إلى 30.. مقترحات لتعزيز التحول المروري في العاصمة فيينا

النمسا مـيـديـا – فيينا:
تدعو أحدث التحليلات الصادرة عن خبراء البيئة والنقل في العاصمة النمساوية فيينا إلى تسريع وتيرة التحول في مجال التنقل عبر تطبيق إجراءات حازمة تُعرف بـ “إجراءات الضغط” (Push-Maßnahmen)، مثل فرض رسوم دخول المدينة (Citymaut)، وتخفيض السرعة المسموحة، وزيادة تعرفة المواقف، للحد من الاعتماد على السيارات الخاصة؛ حيث يرى المختصون في معهد البحوث الاقتصادية WIFO وجامعة BOKU أن الاقتصار على إجراءات التحفيز “الجذب” لم يعد كافياً لتحقيق الأهداف البيئية والمرورية المرجوة.
التمييز بين إجراءات “الجذب” و”الضغط” في السياسة المرورية
أوضحت خبيرة الاقتصاد البيئي Daniela Kletzan-Slamanig من معهد WIFO الفرق بين الآليتين المتبعتين في إدارة النقل، حيث تهدف إجراءات “الجذب” (Pull-Maßnahmen) إلى تشجيع المواطنين على ترك سياراتهم طوعاً من خلال توسيع شبكات وسائل النقل العام وتطوير البنية التحتية للدراجات، بينما تعتمد إجراءات “الضغط” (Push-Maßnahmen) على ممارسة ضغوط مادية وتنظيمية تدفع السائقين للتخلي عن استخدام المركبات. وأشارت Daniela Kletzan-Slamanig إلى أن تدابير الجذب تحظى بقبول شعبي أكبر لكنها مكلفة للغاية، في حين تواجه تدابير الضغط معارضة شديدة وتستغرق وقتاً لتظهر نتائجها، وهو ما يفسر عدم امتلاك السياسيين للصبر الكافي لتطبيقها مراعاةً للمواسم الانتخابية والفئات المستهدفة.
انتقادات لغياب الشجاعة السياسية ونجاح تجربة ستوكهولم
من جانبه، انتقد خبير النقل Paul Pfaffenbichler من جامعة BOKU الواقع الحالي قائلاً إن السياسة المرورية في النمسا تفتقر إلى الشجاعة الكافية في استخدام “إجراءات الضغط”. ولفت Paul Pfaffenbichler إلى وجود العديد من الأمثلة الدولية التي أثبتت نجاح هذه التدابير وتحقيقها لمستويات رضا عالية بين السكان بعد شكوك أولية، شريطة تطبيق النظام بشكل عقلاني وفعال. واستشهد بخبرة العاصمة السويدية ستوكهولم التي فرضت رسوم دخول المدينة (Citymaut) عام 2007 بعد فترة تجريبية مدتها ستة أشهر؛ حيث تحول الرفض الشعبي الأول إلى قبول واسع بعدما لمس السكان انخفاض أعداد السيارات وتراجع الازدحامات المرورية، واعتادوا على دفع رسوم تتراوح بين يورو واحد وأربعة يورو في أيام العمل.
الآثار الجانبية لإجراءات “الجذب” ونموذج السرعة الإسباني
وأشار Paul Pfaffenbichler إلى وجود إشكالية عند الاعتماد الحصري على “إجراءات الجذب”، تمثل في خلق منافسة بين الوسائل البديلة نفسها، إذ إن توسيع البنية التحتية لركوب الدراجات قد يجعل المشي أو استخدام المترو أقل جاذبية. وأكد على ضرورة جعل استخدام السيارات الخاصة أقل جاذبية في الرحلات التي لا تكون فيها السيارة ضرورية، وذلك عبر تقييد السرعة. واقترح Paul Pfaffenbichler تخفيض السرعة التنظيمية داخل المناطق الحضرية في النمسا من 50 كم/ساعة إلى 30 كم/ساعة لتكون هي الأصل وليس الاستثناء، مستشهداً بالنموذج الإسباني الذي يحدد السرعة بـ 50 كم/ساعة فقط في الشوارع التي تحتوي على حارتين أو أكثر في كل اتجاه، بينما يفرض سرعة 30 كم/ساعة في باقي الشوارع الداخلية.
جدوى رسوم دخول المدينة (Citymaut) وتحولات الرأي العام
ترى Daniela Kletzan-Slamanig أن الحوافز المتاحة لقيادة السيارات في فيينا لا تزال كبيرة جداً، حيث لا توجد عوائق حقيقية تمنع الدخول حتى إلى المنطقة الأولى (المنطقة المركزية)، رغم التخطيط الحالي لفرض قيود على الدخول إليها. وأكدت أن مشروع (Citymaut) يمثل مقاربة مقبولة وواقعية لأنه يضع سعراً للآثار البيئية والاجتماعية السلبية ويحملها للمتسببين فيها. وأظهر استطلاع رأي أجرته جامعة WU بالتعاون مع جامعة BOKU أن نحو ثلاثة أرباع المشاركين يمكنهم تخيل تطبيق رسوم دخول المدينة بشروط محددة، مثل تخصيص العائدات لصالح وسائل النقل العام وأن تكون الرسوم غير مبالغ فيها ومتغيرة، وذلك في تغيير ملموس مقارنة بالاستفتاء الشعبي لعام 2010 الذي رفض فيه 77% من المشاركين هذه الرسوم.
تنظيم مواقف السيارات وإعادة تقييم أسعار الاشتراكات
وفيما يتعلق بإدارة مواقف السيارات، يرى Paul Pfaffenbichler أن تنظيم المواقف يعمل بآلية مشابهة لرسوم دخول المدينة، لكن فيينا تفتقر إلى نظام التعرفة المتدرجة التي ترفع الرسوم في المناطق التي يشتد فيها الطلب ويقل فيها الفضاء العام مقارنة بالمناطق الخارجية. بدورها، دعت Daniela Kletzan-Slamanig إلى رفع رسوم المواقف في فيينا لتتماشى مع المستويات الدولية، وإتاحة مساحات أكبر للمحيط الحيوي بدلاً من تخصيصها لركن السيارات، إضافة إلى فرض تعرفة متمايزة بحسب حجم المركبة (مثل سيارات SUV). واختتمت Kletzan-Slamanig مشددة على أنه لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن تظل تصريح مواقف السيارات السنوي (Parkpickerl) أركض ثبتاً وأقل تكلفة من التذكرة السنوية لوسائل النقل العام (Jahreskarte).