عالمة الاجتماع Judith Kohlenberger: الأحزاب النمساوية لا تسألني عن حلول الهجرة بل عن كيفية استغلالها للفوز

النمسا ميـديـا – فيينا:
حذرت عالمة الاجتماع وباحثة الهجرة النمساوية Judith Kohlenberger في مقابلة صحفية كُشف عنها اليوم الأحد 08 نوفمبر 2026 من تراجع نسبة السكان الذين يعيشون في ظل الديمقراطيات الليبرالية عالمياً إلى 7% فقط، مشيرة إلى أن الأحزاب السياسية في النمسا تحولت إلى العبء الأكبر على النظام الديمقراطي بسبب تركيزها على الخطابات الانتخابية بدلاً من الحلول الفعلية لقضايا الهجرة، ومؤكدة في الوقت ذاته أن شبكة الجمعيات الأهلية في النمسا تمثل طوق النجاة لحماية المجتمع من الاستقطاب.
تراجع الثقة في الديمقراطية الليبرالية وتقييم الوضع في النمسا
سلطت الباحثة Judith Kohlenberger، الشريكة في تأليف كتاب “Demokratie sucht Zukunft” مع العلوم السياسية Laurenz Ennser-Jedenastik والخبير التنظيمي Kurt Guwak، الضوء على نتائج تقرير الديمقراطية لعام 2026 (Democracy Report 2026) الصادر عن معهد V-Dem، والذي أظهر أن 7% فقط من سكان العالم يمتلكون مقومات الديمقراطية الليبرالية القائمة على سيادة القانون والانتخابات الحرة وحقوق الإنسان. وأوضحت Kohlenberger أن النمسا تشهد تراجعاً ملحوظاً في مستوى الثقة بالنظام السياسي، لا سيما بين فئة الشباب وأصحاب الدخل المنخفض في الثلث الأدنى، رغم استقرار الثقة الإجمالي عند مستويات منخفضة. وأرجعت هذا التدهور إلى تزايد الاستقطاب المجتمعي، وتراجع الاستعداد للمساومة، وتصاعد النزعات البوبولية والسلطوية.
الأحزاب السياسية كعامل مسبب للازمة وتراجع دور الجسر الاجتماعي
وانتقدت عالمة الاجتماع الدور الذي تلعبه الأحزاب التقليدية والكبرى، مؤكدة أنها لم تعد تخدم كجسر بين الدولة والمجتمع بل أصبحت جزءاً رئيسياً من المشكلة. وأوضحت أن الأحزاب الكبرى قامت بتعديل برامجها وتبني مفاهيم الخطاب اليميني المتطرف في محاولة لكسب الأصوات، مما منح هذه الأفكار شرعية داخل المجتمع. وأضافت بناءً على الرؤية التحليلية للاستشاري Kurt Guwak أن الأحزاب لو كانت شركات تجارية لما استطاعت البقاء أو الاستمرار في السوق، نظراً لتلاشي جوهرها الفكري واقتصار اهتمامها على تكتيكات الفوز بالانتخابات بدلاً من طرح رؤى تخدم مستقبل البلاد. وكشفت Kohlenberger أن السياسيين لا يطلبون منها الاستشارات لإيجاد حلول أو خطط لسياسات الهجرة والاندماج، بل يسألونها فقط عن “كيفية التحدث عن الهجرة بالطريقة التي تضمن لهم الفوز بالانتخابات”.
الأسس الواقعية لنظريات المؤامرة و”الدولة العميقة”
وحول انتشار روايات “الدولة العميقة” والتآكل الديمقراطي التي تروج لها أطراف كـ FPÖ أو ترامب في الولايات المتحدة، بيّنت Kohlenberger أن هذه الروايات تجد قبولاً لدى الشارع النمساوي لأنها تستند إلى “نواة حقيقية من الواقع”. وأوضحت أن شغل مناصب رؤساء القطاعات (Sektionschefs) في الوزارات النمساوية بات يتم بشكل متزايد عبر تعيين مستشارين وسياسيين سابقين ينتمون لأحزاب معينة، مما يثبت للمواطنين استمرار المحسوبية وتداخل السلطة المال وسيادة النفوذ الحزبي. وأضافت أن هذه الروايات تبسط تعقيدات العالم السريع وتمنح الأفراد شعوراً زائفاً بالتوجيه والارتياح النفسي.
تداعيات التعامل السياسي مع أزمة اللاجئين منذ 2015
وأكدت الباحثة أن تدفقات اللاجئين عام 2015 لم تكن هي السبب في تدمير الديمقراطية الليبرالية، بل إن رد الفعل السياسي للحكومات والأحزاب المحافظة هو الذي ألحق الضرر البالغ بها. وأوضحت أن تركيز الأحزاب المحافظة في أوروبا على سياسات الإغلاق والحزم الصارم لم يمنع صعود أحزاب اليمين المتطرف، بل عود المجتمع بالتدريج على تقبل نهج السلطوية والقرارات المشددة، مما تسبب في تآكل القواعد الديمقراطية دون تحقيق نتائج ملموسة حتى مع انخفاض أعداد اللاجئين إلى مستويات قياسية.
حراك الشباب وشبكة الجمعيات كحل لمواجهة الاستقطاب
وفي ختام حديثها، اعتبرت Kohlenberger الاحتجاجات الشبابية الراهنة لجيل (Gen Z) في أوروبا دليلاً قاطعاً على اهتمام الشباب بالسياسة عكس الشائعات السائدة، مشيرة إلى أن استمرار هذه الحركة يتطلب وجود رؤية إيجابية وشعور بالانتماء والجماعة إلى جانب الرفض والاحتجاج. وأشادت بالبنية التحتية الفريدة للجمعيات في النمسا (Vereinsstruktur)، والتي تضم أكثر من 3 ملايين عضو، واصفة إياها بالنموذج المثالي لجمع الأفراد من مختلف الخلفيات الاجتماعية والتوجهات الفكرية حول أهداف مشتركة. وأكدت أن العمل الجماعي داخل هذه الجمعيات يعيد للمواطنين الشعور بالفاعلية والقدرة على التغيير، وهو السلاح الأقوى لمواجهة حالة الاستقطاب والانقسام السياسي.