بعد خلافات داخل الائتلاف.. النمسا تستعد لتوسيع تجريم أنشطة التجسس الأجنبية

النمسا ميـديـا – فيينا:

تستعد الحكومة النمساوية لإقرار قانون جديد لمكافحة التجسس الأجنبي، بعد أن تخلت ÖVP عن اعتراضاتها التي عطّلت المشروع منذ مارس 2026، ما يفتح الطريق أمام تقديم مسودة القانون الأسبوع المقبل وإحالتها إلى مرحلة المراجعة. ويهدف التشريع إلى سد ثغرات قانونية تسمح لأجهزة استخبارات أجنبية بممارسة أنشطة تجسسية داخل النمسا دون ملاحقة جنائية في حالات عديدة، فيما لا تزال الحكومة تبحث توسيع صلاحيات أجهزة الاستخبارات العسكرية، بانتظار قرار المحكمة الدستورية بشأن قانون مراقبة الأشخاص المصنفين خطراً، وفق تقرير نشرته صحيفة DER STANDARD يوم الخميس 5 نوفمبر 2026.

الحكومة تتجاوز الخلافات بشأن قانون مكافحة التجسس

شهدت المفاوضات الحكومية بشأن قانون جديد لمكافحة التجسس تحركاً جديداً، ومن المتوقع أن تدخل المسودة مرحلة التنسيق الحكومي خلال الأسبوع المقبل، قبل إحالتها إلى المراجعة الرسمية.

وأكد متحدث باسم وزارة العدل أن النص القانوني لا يزال قيد التنسيق، لكنه أوضح أنه لم تعد هناك خلافات جوهرية بين الأطراف الحكومية.

وتُعد النمسا ساحة نشطة لعمل أجهزة استخبارات من مختلف أنحاء العالم، إذ تمكنت هذه الأجهزة حتى الآن من ممارسة أنشطتها في كثير من الحالات دون تدخل فعلي من السلطات النمساوية.

وكانت مسودة القانون الأولى جاهزة منذ مارس 2026، لكنها بقيت معطلة داخل الائتلاف الحكومي الثلاثي، ليس بسبب اعتراضات جوهرية على مضمونها، وإنما بسبب مطالب إضافية طرحتها ÖVP، تتعلق بتوسيع صلاحيات أجهزة الاستخبارات العسكرية.

وكان الحزب قد ربط الموافقة على قانون مكافحة التجسس بإقرار صلاحيات أوسع لأجهزة الاستخبارات التابعة للجيش النمساوي.

إلا أن ÖVP تراجع الآن عن هذا الربط، بعد ضغوط مكثفة من حزب NEOS، حيث تقرر تأجيل الحسم السياسي بشأن توسيع صلاحيات الأجهزة العسكرية إلى حين صدور قرار المحكمة الدستورية النمساوية بشأن قانون مراقبة الأشخاص المصنفين خطراً.

ويتعلق الأمر بثلاثة تشريعات مختلفة جرى ربطها سياسياً، رغم أن موضوعاتها القانونية لا ترتبط ببعضها إلا بصورة محدودة.

قانون التجسس يسد ثغرة في التشريعات الجنائية

يتعلق القانون الأساسي لمكافحة التجسس بتوسيع نطاق الأفعال التي يمكن اعتبارها جرائم تجسس ومعاقبة مرتكبيها.

وقدمت وزيرة العدل Anna Sporrer من حزب SPÖ مسودة تهدف إلى معالجة ثغرة قانونية كبيرة في التشريع النمساوي الحالي.

فبموجب المادة 256 من قانون العقوبات النمساوي، لا يُعاقب التجسس من حيث المبدأ إلا إذا كان موجهاً ضد المصالح النمساوية.

أما أنشطة التجسس التي تستهدف مؤسسات الاتحاد الأوروبي أو منشآت الأمم المتحدة أو منظمات دولية أخرى تتخذ من النمسا مقراً لها، فقد تبقى في حالات عديدة خارج نطاق العقوبة الجنائية.

وبحسب التقرير، استغلت قوى دولية كبرى، وفي مقدمتها روسيا، هذه الثغرات لبناء شبكات استخباراتية واسعة داخل النمسا.

وتمكنت أجهزة استخبارات أجنبية من متابعة أنشطتها وتحقيق مصالح دولها دون تدخل فعلي من أجهزة إنفاذ القانون والسلطات القضائية النمساوية في كثير من الحالات.

وتضغط وزيرة الخارجية Beate Meinl-Reisinger من حزب NEOS منذ فترة لإنهاء هذا الوضع، الذي وصفته بأنه «غريب».

وترى الوزيرة أن معالجة المشكلة تتطلب توسيع نطاق التجريم القانوني للتجسس، إلى جانب رفع العقوبات المقررة، فضلاً عن توسيع تعريف التجسس الذي يلحق الضرر بالمصالح النمساوية.

وعندما سُئلت الوزيرة عن أسباب تأخر المشروع، أشارت صراحة إلى شريكها في الائتلاف الحكومي، موضحة أن وزارة الدفاع التي يقودها حزب ÖVP كانت لديها تحفظات على المشروع.

لكن هذه التحفظات، وفق التقرير، ارتبطت أساساً بمحاولة دفع مشروع قانون آخر يتعلق بصلاحيات أجهزة الاستخبارات العسكرية، وهو المشروع الذي تثير بشأنه أحزاب SPÖ وNEOS تحفظات.

وزارة الدفاع تريد صلاحيات أوسع لأجهزة الاستخبارات العسكرية

تسعى وزارة الدفاع النمساوية إلى استغلال التعديلات التشريعية الحالية لمنح أجهزة الاستخبارات العسكرية إمكانات تشغيلية أوسع بكثير، من خلال تعديل قانون الصلاحيات العسكرية (Militärbefugnisgesetz).

وتضم أجهزة الاستخبارات العسكرية النمساوية جهازين رئيسيين:

  • مكتب الاستخبارات العسكرية (Heeres-Nachrichtenamt): يتولى مهام الاستخبارات الاستراتيجية وجمع المعلومات المتعلقة بالخارج.
  • مكتب مكافحة التجسس العسكري (Abwehramt): يتولى حماية الجيش النمساوي من التجسس والأنشطة الاستخباراتية التي تنفذها دول أجنبية.

وتبرر وزارة الدفاع مطالبها بالحاجة الملحة إلى توسيع صلاحيات الجهازين، حتى يتمكنا من رصد التهديدات بصورة أفضل والاستجابة لها.

وترى الوزارة أن الأجهزة النمساوية تعتمد حالياً على أجهزة استخبارات أجنبية في بعض المجالات، وهو ما يجعل توسيع قدراتها أمراً ضرورياً من وجهة نظرها.

وتشمل الصلاحيات الجديدة التي تطالب بها وزارة الدفاع أربعة مجالات رئيسية:

1. الحصول على بيانات السفر: السماح بالاستعلام عن بيانات الرحلات والسفر لدى الشركات المشغلة لخدمات نقل الأشخاص.

2. استخدام وسائل تقنية لمحاكاة شبكات الهاتف المحمول: وهي أجهزة تقنية يمكنها محاكاة شبكة اتصالات خلوية، بما يتيح إمكانات إضافية للمراقبة وجمع البيانات.

3. جمع البيانات دون تدخل مباشر في الأماكن العامة: باستخدام أجهزة تسجيل الصور والصوت، بما يسمح بجمع المعلومات بصورة غير مباشرة.

4. اختراق أنظمة الحاسوب والشبكات الإلكترونية: السماح بالدخول إلى أنظمة الحاسوب وشبكات المعلومات التابعة للآخرين، ولكن وفق شروط خاصة ومحددة بدقة.

ويوضح التقرير أن قانون مكافحة التجسس الجديد يستهدف بالدرجة الأولى منح صلاحيات إضافية لمديرية أمن الدولة والاستخبارات (DSN)، وأجهزة الشرطة والسلطات القضائية.

أما قانون الصلاحيات العسكرية، فيقتصر تطبيقه على أجهزة الاستخبارات التابعة للجيش، مع التركيز بصورة خاصة على وسائل المراقبة التقنية والتدخل في أنظمة الحاسوب.

مراقبة تطبيقات واتساب وسيغنال تثير جدلاً قانونياً

يرتبط قرار توسيع صلاحيات أجهزة الاستخبارات العسكرية بنتيجة قضية أخرى أمام المحكمة الدستورية، تتعلق بقانون مراقبة الأشخاص المصنفين خطراً (Gefährderüberwachung).

وكان المجلس الوطني النمساوي قد أقر هذه المراقبة في يوليو 2025، لكنها لم تدخل حتى الآن مرحلة التشغيل الكامل.

ويتعلق الأمر بتعديل قانون أمن الدولة والاستخبارات (Staatsschutz- und Nachrichtendienstgesetz – SNG)، الذي يمنح مديرية أمن الدولة والاستخبارات (DSN)، وفق شروط محددة، صلاحية مراقبة الاتصالات الإلكترونية.

ويستهدف القانون بشكل أساسي إمكانية مراقبة خدمات التراسل المشفرة، مثل WhatsApp وSignal.

ولتحقيق ذلك، يسمح القانون بإدخال برنامج إلكتروني إلى الهاتف المحمول للشخص المعني، بهدف اعتراض الرسائل قبل تشفيرها أو بعد فك تشفيرها.

ولا يمكن اللجوء إلى هذه الإجراءات إلا في حالات تتعلق بأنشطة خطيرة تهدد النظام الدستوري، مثل التحضير لشن هجمات إرهابية.

كما يشترط القانون أن تكون المراقبة الوسيلة الأخيرة المتاحة، وأن تحصل من حيث المبدأ على موافقة هيئة قضائية مؤلفة من ثلاثة قضاة في المحكمة الإدارية الاتحادية.

ولا يجوز أن تتجاوز مدة المراقبة ثلاثة أشهر.

المحكمة الدستورية تحسم مستقبل صلاحيات المراقبة

واجه قانون مراقبة الاتصالات المشفرة نقاشات سياسية وقانونية مكثفة داخل الائتلاف الحكومي، وكانت لدى حزب NEOS شكوك كبيرة بشأنه، إلى جانب انتقادات داخلية لطريقة إقراره.

ورغم إقرار القانون، فإن مراقبة تطبيقات المراسلة لم تدخل حتى الآن حيز التنفيذ التشغيلي.

كما لا يزال مصير القانون القانوني غير محسوم، إذ قدم حزبا FPÖ وGrüne طلباً لإلغائه أمام المحكمة الدستورية النمساوية.

وعُقدت جلسة المرافعة الشفوية بشأن القضية في يونيو 2026، لكن المداولات القضائية لم تنته بعد.

وبحسب معلومات صادرة عن المحكمة الدستورية، ستُناقش القضية مجدداً خلال جلسة ديسمبر المقبل، على أن يصدر القرار بعدها.

قانون مكافحة التجسس يمضي منفصلاً عن صلاحيات الجيش

تريد أحزاب الائتلاف الحكومي انتظار قرار المحكمة الدستورية قبل اتخاذ أي قرار بشأن توسيع الصلاحيات الممنوحة لأجهزة الاستخبارات العسكرية.

وبالتالي، ستبقى التعديلات المتعلقة بقانون الصلاحيات العسكرية معلقة حتى صدور الحكم القضائي المرتقب.

لكن هذا التأجيل لن يشمل قانون مكافحة التجسس الأساسي، الذي يبدو أن الطريق أصبح ممهداً أمامه بعد تجاوز الخلافات السياسية بين أحزاب الحكومة.

ومن المتوقع تقديم مسودة القانون خلال الأسبوع المقبل، تمهيداً لإحالتها إلى مرحلة المراجعة، في خطوة تستهدف توسيع الحماية القانونية للمصالح النمساوية والمؤسسات الدولية الموجودة على أراضي البلاد، وملاحقة أنشطة التجسس الأجنبية التي لم تكن مشمولة بصورة كافية بالتشريعات الحالية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى