18 ألف بلاغ اشتباه قياسي.. النمسا تواجه تحديات هيكلية وقانونية حادة في مكافحة غسيل الأموال

النمسا ميـديـا – فيينا:

تواجه السلطات القضائية والأمنية في النمسا تحديات هيكلية وقانونية متزايدة في ملاحقة شبكات الأموال القذرة والجريمة المنظمة، وسط توقعات بتسجيل رقم قياسي غير مسبوق يبلغ 18,000 بلاغ اشتباه بغسيل الأموال خلال عام 2026، وذلك في ظل انتقادات دولية حادة من مجموعة العمل المالي (FATF) بشأن تعقيدات القانون الجنائي النمساوي وعقبات إثبات “الجريمة الأصلية”، فضلاً عن وجود ثغرات رقابية واسعة في القطاع غير المالي مثل الوسطاء العقاريين، بحسب ما كشفه تقرير أعده الصحفيان Laurin Lorenz وJan Michael Marchart ونشرته صحيفة “Der Standard”.

عوائق قانونية معقدة وشروط صارمة لإثبات “الجريمة الأصلية”

يبرز حجم التعقيد التشريعي في النمسا من خلال مثال افتراضي يعرضه الخبراء، كأن تقدم سامرية طاعنة في السن من الخارج مبلغ مليوني أورو نقداً لشراء شقة فاخرة في فيينا بهدف غسيل أموال مصدرها إمبراطورية المخدرات الخاصة بابنها دون علم الوسيط العقاري؛ وهنا تكمن المعضلة الكبرى أمام القضاء النمساوي الذي يواجه قوانين صعبة تتطلب إثبات الجريمة الأصلية بدقة متناهية (مثل الاحتيال أو تجارة السلاح أو المخدرات)، وإثبات أن الأموال المحددة تعود قطعاً لتلك الجريمة، فضلاً عن إثبات علم المتهمة بالخلفية الإجرامية للأموال. إذ لا يكفي وحدَه تضارب نمط حياة الشخص مع كمية الأموال الباهظة التي بحوزته لتدينه أو لقلب عبء الإثبات عليه، ولهذا يداول بعض محققي مكافحة الجريمة عبارة ساخرة مفادها: “من يريد غسيل الأموال، عليه القدوم إلى النمسا”.

شبح “القائمة الرمادية” وضغوط مجموعة العمل المالي (FATF)

أكدت تقارير مجموعة العمل المالي (FATF) على مدار سنوات وجود “عقبة جوهرية” تتمثل في المتطلبات الصارمة لإثبات الأدلة في النمسا، حيث كانت البلاد على وشك الإدراج على “القائمة الرمادية” إلى جانب دول مثل سوريا وكونغو لولا تدارك الوضع في اللحظات الأخيرة. ومع أن تقرير التقييم النهائي الصادر في شهر أبريل الماضي أقر بتحسن أداء النمسا بفضل جهود الرقابة المصرفية وتطوير التدريب وتقارير الإحصاء، إلا أن البلاد تبقى عرضة للمخاطر بسبب الشغف بالتعامل النقدي، وجاذبية الاستثمار العقاري، وموقعها الاستراتيجي كبوابة نحو الشرق وسط تفنن الجريمة المنظمة في إخفاء أصولها.

أرقام قياسية لبلاغات الاشتباه وتطور الجريمة الرقمية

يوضح Bernhard Schafrath، رئيس وحدة مكافحة غسيل الأموال في مكتب الشرطة الجنائية الفدرالي (Bundeskriminalamt) والتي تضم 24 موظفاً، أن عام 2026 سيكسر كافة الأرقام القياسية متوقعاً زيادة تتراوح بين 20 إلى 30 بالمئة لتصل إلى 18,000 بلاغ اشتباه مقدمة من الجهات الملزمة قانوناً كالبنوك وشركات التأمين والموثقين. ورغم ذلك، لم تسفر هذه البلاغات إلا عن 152 إدانة قضائية في عام 2024، بينما سجلت وزارة العدل 1,426 حالة غسيل أموال في عام 2025 قابلتها 200 إدانة فقط. ويرجع Schafrath هذا الارتفاع إلى التحول الرقمي للجريمة واستخدام نماذج الاحتيال الحديثة عبر مواقع الويب المزيفة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، والتصيد الاحتيالي عبر الرسائل النصية والبريد الإلكتروني، فضلاً عن استقطاب شبكات الشركاء الوهميين واستخدام محافظ العملات الرقمية والشركات الوهمية لتمرير الأموال عبر حسابات عابرة للحدود.

“العمى الرقابي” في قطاع الوسطاء العقاريين وغياب الأولوية

ينتقد تقرير المراجعين الدوليين بحدة تعامل النظام القضائي النمساوي الذي لا يمنح قضايا غسيل الأموال الأولوية الكافية، حيث تظل التحقيقات عابرة الحدود نادرة للغاية ومعظم القضايا تتركز على مبالغ زهيدة. والأكثر خطورة هو وجود ثغرة مزمنة في “القطاع غير المالي” وتحديداً لدى الموثقين، والمحامين، والوسطاء العقاريين الذين يعانون من “عمى رقابي” تام وافتقار سلطات الدوائر المحلية للموارد والخبرات اللازمة للرقابة، مما يترتب عليه تدنٍ شديد في معدلات الإبلاغ القانونية داخل هذا القطاع الحيوي.

تجارب دولية بديلة ونجاحات قضائية محلية محدودة

في مواجهة هذه التحديات، يبرز نموذج دولة هولندا التي تطبق “طريقة الإثبات غير المباشر”، حيث يُلزم المشتبه بهم بتقديم تفسير موثوق ومحدد لمصدر ثرواتهم الكبيرة في حال تعارضها مع تدفقاتهم المالية العادية، وإلا يتم توجيه الاتهام وتحويل القضية للقضاء دون الحاجة لإثبات جريمة أصلية محددة. وفي نفس السياق، يوصي متحدث النيابة العامة الاقتصادية ومكافحة الفساد (WKStA) Martin Ortner بالاستفادة من التجارب الدولية وإدخال آليات مستقلة لتعقب غسيل الأموال ومصادرة الأصول مجهولة المصدر. وعلى الصعيد المحلي، حققت السلطات نجاحاً بارزاً مؤخراً تمثل في مصادرة نحو أربعة ملايين أورو واثنين مليون فرنك سويسري في قضية احتيال مرتبطة بشخصية دجالة “شامان” في النمسا السفلى، مستندة إلى مبدأ ثبوت الأصول بشكل “مرجح بشكل غالب” لكونها مرتبطة بمنظمة إجرامية، وفقاً لما أقرته المحكمة الدستورية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى