الحكومة النمساوية تستعد لطرح تشريع شامل لحظر “الإسلام السياسي” وتفكيك شبكات الإخوان المعقدة

النمسا ميـديـا – فيينا:
تتجه الحكومة النمساوية، بقيادة حزب الشعب النمساوي (ÖVP)، نحو صياغة إطار قانوني شامل ومشدد يستهدف حظر أنشطة “الإسلام السياسي” وتفكيك الشبكات المرتبطة بتنظيم “الإخوان المسلمين” في البلاد. وتأتي هذه التحركات السياسية والبرلمانية في العاصمة فيينا، في ظل تحذيرات أمنية متزايدة من تنامي نفوذ هذه الشبكات وتأثيرها على الأمن القومي، حيث يسعى التشريع الجديد إلى تجفيف منابع البنية التنظيمية والمالية لهذه الجماعات، مع الحرص على عدم الاصطدام بالضمانات الدستورية وحرية التعبير.
إطار قانوني أكثر شمولاً من مقترحات المعارضة كشف مصدر في حزب الشعب النمساوي الحاكم (ÖVP)، مطلع على الاتصالات المتعلقة بمشروع قانون حظر “الإسلام السياسي”، أن حكومة النمسا تتجه إلى تقديم إطار قانوني أكثر شمولاً من المقترح الذي قدمه حزب الحرية المعارض (FPÖ) إلى اللجنة الدستورية في البرلمان.
التركيز على شبكات “الإخوان المسلمين” وأضاف المصدر، أن الإطار الجديد سيركز بشكل خاص ودقيق على الأنشطة والشبكات التي ترتبط بتنظيم “الإخوان المسلمين” والتنظيمات المحسوبة على تيار الإسلام السياسي.
استهداف البنية التنظيمية والمالية وأشار المصدر إلى أن النقاش داخل حزب الشعب لا ينطلق فقط من فكرة حظر منظمة بعينها، وإنما من الحاجة الماسة إلى وضع أدوات قانونية تسمح للسلطات النمساوية بالتعامل مع البنية التنظيمية والمالية والشبكات المرتبطة بما تصفه الأجهزة الأمنية بـ”الإسلام السياسي”.
مراعاة الضمانات الدستورية وأوضح أن الحكومة تسعى جاهدة إلى صياغة مشروع قانون يمكن تطبيقه عملياً على أرض الواقع، دون الاصطدام بالضمانات الدستورية وحقوق تكوين الجمعيات وحرية التعبير.
المراجعات الأمنية تعيد الملف للصدارة وأضاف أن مشروع القانون الحكومي المنتظر يستند في جانب كبير منه إلى مراجعات أمنية دقيقة أجرتها السلطات خلال الفترة الماضية، مؤكداً أن اكتشاف روابط بين بعض المؤسسات العاملة في النمسا وشبكات مرتبطة بـ”الإخوان” أعاد ملف “الإسلام السياسي” إلى صدارة النقاش السياسي داخل أروقة حزب الشعب والبرلمان.
مقترحات حزب الحرية في اللجنة الدستورية وتأتي تصريحات المصدر في وقت ناقشت فيه اللجنة الدستورية في البرلمان النمساوي مقترح قرار قدمه حزب الحرية (FPÖ)، وهو حزب المعارضة الرئيسي، بشأن حظر أنشطة مرتبطة بـ”الإسلام السياسي” وأهدافه، إلى جانب حل المنظمات التابعة له، واتخاذ إجراءات صارمة بحق الأشخاص الذين يثبت انتماؤهم إلى منظمات محظورة أو دعمهم لها.
إجراءات لسحب الجنسية ومصادرة الأصول ويتضمن مقترح حزب الحرية كذلك، إجراءات تتعلق بسحب الجنسية من الأشخاص الذين ينتمون إلى منظمة تابعة لـ”الإسلام السياسي” أو يدعمونها، إضافة إلى مصادرة أصول المنظمات ذات الصلة، وفق ما ورد في المشروع الذي قدمه النواب Markus Tschank، و Christian Schandor، و Michael Schilchegger.
أهمية الإطار القانوني الواضح وأكد النائب Michael Schilchegger أمام اللجنة، أن وجود قانون حظر من شأنه أن يسهل تحديد الأفعال التي ترتكب في النمسا وتحمل خلفيات متطرفة، معتبراً أن غياب إطار قانوني واضح يعرقل جهود التعامل مع بعض أشكال النشاط المرتبط بـ”الإسلام السياسي”.
مقترح المعارضة مقابل مشروع الحكومة ومن المنتظر أن ترفع اللجنة الدستورية تقريرها إلى البرلمان بشأن مقترح حزب الحرية، إلا أن هذا المقترح لا يُلزم الحكومة بتنفيذ الإجراءات الواردة فيه. وفي المقابل، أعلن حزب الشعب الحاكم أنه يعمل بشكل مكثف على إعداد مشروع قانون خاص بحظر “الإسلام السياسي” وتنظيم “الإخوان”، تمهيداً لطرحه رسمياً أمام البرلمان.
مبادرة المستشار والروابط المكتشفة وجاء هذا التحرك الحكومي بمبادرة من المستشار Christian Stocker، في أعقاب رصد السلطات الأمنية روابط بين منظمة تعمل في مجال مكافحة التطرف وشبكات مرتبطة بـ”الإخوان”. ويتعلق الأمر بمنظمة DERAD، التي صرحت السلطات أن أجهزة الاستخبارات النمساوية اكتشفت روابط بينها وبين “الإخوان” خلال تدقيق أمني بدأ في شهر يونيو/حزيران الماضي.
“القوة الناعمة” أمام الاختبار الدستوري وفي هذا السياق، تقول الباحثة في العلوم السياسية بجامعة فيينا، Daniela Weiss، إن التحركات البرلمانية الأخيرة تعكس، من الناحية الدستورية، ضغوطاً سياسية متزايدة لسد ما تعتبره أطراف سياسية “ثغرات قانونية” مرتبطة بالأنشطة غير العنيفة، أو ما يُوصف بـ”القوة الناعمة” للإسلام السياسي.
التعقيدات القضائية أمام التشريعات الجديدة وتوضح Daniela Weiss، أن التحدي الأكبر يتمثل في مدى صمود أي تشريع جديد أمام المحاكم النمساوية والأوروبية، مشيرة إلى أن القوانين التي تستهدف الأفكار والأيديولوجيات، وليس فقط الأفعال الإجرامية المباشرة، تواجه عادة تعقيدات قضائية كبيرة. وتضيف أن النمسا تحتاج إلى مقاربة توازن بين حماية الأمن القومي والحفاظ على المعايير المتعلقة بحرية التعبير وتكوين الجمعيات، وهي حقوق تحظى بحماية دستورية وأوروبية راسخة.
حماية الدولة تحذر من “مجتمعات موازية” وتزامن هذا الحراك البرلماني مع تحذيرات أمنية من تنامي نفوذ الإسلام السياسي، إذ حذرت رئيسة جهاز حماية الدولة، Sylvia Meier، من أن تنظيم “الإخوان” يعمل على تشكيل “مجتمعات موازية”، داعية إلى تشديد قوانين الجمعيات والقانون الجنائي لمواجهة المخاطر التي ترى أن الجماعة تمثلها.
مواجهة الأيديولوجية المتطرفة وقالت Sylvia Meier في تصريحات صحفية، إن “تطرف الإسلام السياسي يمثل أحد أكبر الأخطار التي تهدد الأمن العام والديمقراطية”. وأضافت أن القضية، من وجهة نظرها، لا تتعلق فقط بتنظيم “الإخوان”، وإنما بالأيديولوجية التي تقف خلفه، مشبهة ذلك بمخاطر انتشار الأيديولوجيات المتطرفة الأخرى.
التمويل والتغلغل تحت المجهر ولا يأتي هذا التحرك الحكومي بصورة منفصلة عن توجه أوسع داخل حزب الشعب النمساوي (ÖVP)، بعدما كشفت أكاديمية الحزب في مايو/أيار الماضي عن ورقة سياسات مكونة من 29 صفحة، مخصصة لمواجهة “الإسلام السياسي”، مع اهتمام خاص بشبكات “الإخوان”. وتتناول الورقة ملفات التمويل، ومكافحة التطرف، والنشاط داخل المؤسسات العامة، إلى جانب ما تصفه بمخاطر “التغلغل الناعم” داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.
أهداف التنظيم العابرة للحدود وتقدم الورقة تصوراً يعتبر “الإخوان” تنظيماً “عابراً للحدود الوطنية”، يستخدم المحتوى الديني لتحقيق أهداف سياسية بحتة، ويسعى على المدى الطويل إلى التأثير في الأنظمة الحكومية والمجتمعية بما يتوافق مع أجندته الخاصة.
بين الحظر والمواجهة القانونية بدوره، يرى الباحث المتخصص في شؤون الاندماج المجتمعي بالنمسا، Matthias Brunner، أن المشكلة الأساسية في النقاش البرلماني الحالي لا تتعلق فقط بصياغة قانون للحظر، وإنما بكيفية تطبيقه دون أن يتحول إلى أداة تزيد من شعور قطاعات من الشباب المسلم بالتهميش أو الاشتباه المستمر.
التحدي المتمثل في حماية الحقوق المدنية ويقول Matthias Brunner، إن مواجهة الأيديولوجيات المتطرفة تمثل ضرورة ملحة لحماية النظام الديمقراطي، لكن نجاح أي تشريع يتوقف على قدرته على التمييز بدقة بين النشاط الإجرامي أو التنظيمي المتطرف، وبين ممارسة الحقوق المدنية والدينية المشروعة.
الاختبار القانوني والسياسي المعقد ويضع هذا النقاش الحكومة النمساوية أمام اختبار قانوني وسياسي معقد، إذ إن أي تشريع جديد سيحتاج إلى تحديد دقيق للأفعال والأنشطة التي تستوجب الحظر، والجهات التي يمكن تصنيفها على أساسها، فضلاً عن آليات الطعن والرقابة القضائية لضمان الشفافية والعدالة.