ملاحقة الواجهات التنظيمية.. خطة نمساوية حازمة لحظر الإخوان والإسلام السياسي عبر تشريعات مشددة وقيود على التمويل

النمسا ميـديـا – فيينا:
دفعت الحكومة النمساوية في العاصمة فيينا بملف جماعة الإخوان المسلمين إلى مرحلة تشريعية أكثر تقدمًا، عقب إعداد وزارة الاندماج مقترحًا شاملاً لحظر التنظيم والكيانات المرتبطة بالإسلام السياسي، وذلك في أعقاب إنهاء المؤسسات الحكومية تعاونها مع جمعية DERAD إثر تقييمات أمنية كشفت عن صلات بين عاملين فيها وهياكل تنتمي إلى “الإسلاموية القانونية”، في خطوة تهدف إلى حماية النظام الدستوري الديمقراطي وتجفيف منابع تمويل الواجهات التنظيمية.
تصريحات وزيرة الاندماج وتحركات الائتلاف الحكومي
أعلنت وزيرة الاندماج Claudia Bauer في 5 أيلول/سبتمبر رغبتها الصريحة في إدراج جماعة الإخوان المسلمين ضمن حظر “الإسلام السياسي” الجاري إعداده، مشيرة إلى القدرة العالية للتنظيمات المرتبطة بهذا التيار على تأسيس جمعيات أهلية والعمل بسلاسة ضمن الأطر القانونية القائمة. وكانت الوزارة قد تحدثت سابقًا عن حزمة تشريعية متكاملة تشمل تعديلات على قانون الجمعيات وقانون الطوائف ومواد تشريعية أخرى ذات صلة.
المسارات التشريعية الثلاثة لمواجهة الواجهات التنظيمية
كشف مصدر برلماني نمساوي عن أن ورقة العمل المتداولة حاليًا بين أطراف الائتلاف الحكومي تتضمن ثلاثة مسارات أساسية؛ تشمل توسيع الأساس القانوني لحل الجمعيات التي يثبت ارتباطها التنظيمي أو المالي بكيانات محظورة، وتشديد إجراءات الإفصاح عن التمويل الخارجي، فضلاً عن منح السلطات صلاحيات أوسع لوقف النشاط فور وجود أدلة موثقة على استخدام المؤسسة لنشر أهداف تتعارض مع النظام الدستوري الديمقراطي.
المعايير القانونية وآلية استهداف البنية التحتية
أوضح المصدر البرلماني أن المناقشات الأولية تركز بشكل مكثف على صياغة تعريف قانوني دقيق يسمح باستهداف البنية التنظيمية والواجهات التابعة للإخوان، دون الاكتفاء باستخدام اسم الجماعة الصريح فقط، مع إعداد معايير واضحة تتعلق بتداخل الإدارات، ومصادر الأموال، والعضوية المشتركة، واستضافة الشخصيات المرتبطة بالتنظيم، والمشاركة المنتظمة في مؤسسات أوروبية تصنفها الأجهزة الأمنية ضمن البيئة الإخوانية.
الجدول الزمني للتقييم والتداعيات المالية
أفصح المصدر عن توجه لعرض الصيغة التشريعية الأولى على شركاء الائتلاف خلال شهر أيلول/سبتمبر الجاري، تمهيدًا لإحالتها إلى مراجعة دستورية وقانونية شاملة قبل طرحها رسمياً أمام البرلمان. وأضاف أن أحد الخيارات المطروحة ينص على منع الجهات المشمولة بقرارات أمنية سلبية من الحصول على أي تمويل عام أو عقود حكومية طوال فترة المراجعة والتقييم.
قضية جمعية DERAD والتقييمات الاستخباراتية
تسارعت هذه الخطوات الرسمية إثر إعلان مديرية أمن الدولة والاستخبارات DSN في 28 آب/أغسطس عن وجود مؤشرات ومعطيات تؤكد وجود تأثير لجماعة الإخوان في جمعية DERAD المتخصصة في مكافحة التطرف، ما دفع وزارات العدل والتعليم والداخلية إلى إنهاء أو تعليق كافة أوجه التعاون معها بشكل فوري.
تأكيدات الاستخبارات وموقف الجمعية
أكدت رئيسة جهاز الاستخبارات Sylvia Mayer في 3 أيلول/سبتمبر امتلاك السلطات “نتائج عديدة” تتعلق بقرب بعض العاملين في الجمعية من هياكل الإسلاموية القانونية. في المقابل، تنفي جمعية DERAD بشكل قاطع كافة الاتهامات الموجهة إليها.
المبادرة الحكومية للحظر الدستوري للإسلام السياسي
يأتي هذا التصعيد الحكومي في إطار خطوة أوسع تتجاوز ملف الجمعية المذكورة، حيث دعا المستشار النمساوي Christian Stocker مطلع شهر أيلول/سبتمبر إلى فرض حظر دستوري شامل على “الإسلام السياسي”، فاتحًا بذلك نقاشًا سياسيًا واسعًا يتطلب إقراره أغلبية الثلثين في البرلمان. وأقر Christian Stocker بصعوبة ضمان هذه الأغلبية البرلمانية، مما يجعل الصياغة القانونية وحدود التعريف وموقف أحزاب المعارضة عناصر حاسمة في نقل المقترح من مجرد إعلان سياسي إلى نص قانوني ملزم.
البنية المؤسساتية ودور مركز توثيق الإسلام السياسي
يستند هذا التحرك الحكومي المكثف إلى بنية مؤسساتية متكاملة شيدتها النمسا خلال السنوات الماضية لمراقبة وتفكيك شبكات الإسلام السياسي، وعلى رأسها “مركز توثيق الإسلام السياسي”، وهو صندوق تابع للجمهورية يختص بدراسة الشبكات والهياكل الرسمية وغير الرسمية المرتبطة بالتطرف السياسي ذي الدافع الديني. ويمنح وجود هذه المؤسسة المتخصصة الحكومة قاعدة بحثية واستخباراتية قوية يمكن استخدامها في رسم خرائط دقيقة للعلاقات بين الجمعيات والأفراد والواجهات، بدلاً من حصر المعالجة في الملاحقات الجنائية التقليدية.
التقييم القانوني والإداري للجمعيات والأنشطة
في هذا السياق، صرح Oliver Henhapel، الرئيس السابق للمكتب الاتحادي للشؤون الدينية في النمسا، بأن التطبيق الفعلي لأي حظر يحتاج إلى تعريف دقيق ومحدد للسلوك والارتباط المؤسسي الذي يستوجب تدخل الدولة؛ نظراً لأن قانون الجمعيات وقواعد الاعتراف الديني تمنح السلطات بالفعل أدوات قانونية لمراجعة نشاط المؤسسات وتمويلها ومدى التزامها بالنظام القانوني. وبيّن Oliver Henhapel أن تقييم الجمعيات يرتبط بالممارسة الفعلية والهيكل الإداري والتدفقات المالية والأنشطة المعلنة، وهو ما يجعل توثيق العلاقات بين الكيانات والأفراد عنصرًا حاسمًا عند اتخاذ إجراءات حازمة تصل إلى سحب الامتيازات أو إنهاء الوضع القانوني.
سياق التضييق والتحديات أمام تفكيك الشبكات اللامركزية
تأتي هذه المبادرة ضمن توجه نمساوي أوسع تجاه ملف الإسلام السياسي، بالتزامن مع دخول حظر ارتداء الحجاب للفتيات دون سن 14 عامًا في المدارس حيز التنفيذ مطلع أيلول/سبتمبر، وتصاعد الجدل الحكومي حول أدوات مواجهة التنظيمات التي تنشط عبر جمعيات قانونية ومؤسسات اجتماعية. ومن جانبه، أشار الصحفي المتخصص في شؤون الإسلام السياسي في أوروبا Erwan Seznec إلى أن التحدي الأساسي أمام فيينا يتمثل في الطبيعة اللامركزية لشبكات الإخوان، حيث تعمل شخصيات ومؤسسات متعددة عبر أطر وطنية وقانونية مستقلة، ما يجعل تتبع الروابط البشرية والمالية أكثر فاعلية من التعامل مع التنظيم كبديل لهيكل مركزي معلن.
التأثير الأوروبي المستقبلي وآليات التكيف التنظيمي
يقدّر Erwan Seznec أن نجاح المقاربة النمساوية سيؤثر بشكل مباشر على دول أوروبية أخرى تراجع حاليًا علاقاتها مع الجمعيات المرتبطة بالإسلام السياسي، خصوصًا إذا استطاعت فيينا بناء معيار قانوني متماسك يجمع بين حماية النظام الديمقراطي وقدرة السلطات على تعطيل المؤسسات التي تستغل العمل الأهلي والديني لترسيخ نفوذ سياسي طويل المدى. وأضاف أن الحظر، إذا أُقر بصيغة تستهدف الروابط التنظيمية والمالية، سيدفع الكيانات القريبة من الإخوان إلى إعادة توزيع نشاطها عبر جمعيات أصغر وأكثر تخصصًا في مجالات التعليم والعمل الاجتماعي والتمثيل الديني، مع تقليل العلامات الظاهرة التي تسمح بربطها مباشرة بالتنظيم.
قدرة السلطات على المتابعة المستمرة للتدفقات
واختتم Erwan Seznec تحليله بالإشارة إلى أن نجاح السلطات النمساوية سيتوقف بالكامل على قدرتها الميدانية والاستخباراتية على متابعة حركة انتقال الأشخاص والتمويل والوظائف بين المؤسسات المختلفة بعد فرض الحظر؛ لأن تفكيك كيان قانوني واحد يمكن تجاوزه والإلتفاف عليه سريعًا إذا بقيت البنية البشرية والمالية قادرة على إعادة إنتاج نفسها تحت أسماء وعناوين قانونية جديدة.



