دراسة طبية في النمسا: فحوصات الرنين المغناطيسي الشامل للجسم تسبب إنذارات خاطئة اضافة الى تكاليف الباهظة

النمسا ميـديـا – النمسا السفلى:

حذرت دراسة علمية صادرة عن قسم الطب القائم على الأدلة والتقييم في جامعة Krems (Uni Krems) بمقاطعة النمسا السفلى، ضمن مشروع البحث الطبي “Medizin transparent”، من الخضوع لفحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي الكامل للجسم (Ganzkörper-MRT) كإجراء وقائي دوري للأشخاص الأصحاء. وأكدت الدراسة أن هذه الفحوصات مكلفة للغاية وتؤدي إلى إطلاق إنذارات تشخيصية خاطئة لدى ما يقرب من نصف الخاضعين لها، مما يدفع المرضى لإجراء فحوصات إضافية وتداخلية غير ضرورية تتسبب في قلق نفسي ومخاطر صحية دون تحقيق فائدة طبية حقيقية.

إقبال متزايد وتكاليف باهظة على حساب المرضى تتزايد في الآونة الأخيرة عروض المراكز التشخيصية الخاصة التي تروج لما يسمى ” الفحص الصحي الشامل” عبر إجراء تصوير بالرنين المغناطيسي لمختلف أنحاء الجسم. ويحصل الراغبون في هذا الإجراء، مقابل مبالغ مالية تتراوح بين 1000 و2000 يورو، على صور تفصيلية فائقة الدقة لأجسادهم تمتد من الرأس وحتى منطقة الورك، مرفقة بتقرير طبي يتضمن رصداً لأي تغيرات أو علامات قد تشير إلى وجود أورام سرطانية، أو أمراض في الكبد والكلى، أو تغيرات خطيرة في الأوعية الدموية. ويتحمل الراغبون في هذا الفحص التكاليف كاملة من حسابهم الخاص، حيث لا تغطي صناديق التأمين الصحي الاجتماعية هذه الفحوصات الاستكشافية للأشخاص الأصحاء.

مخاطر خفية خلف تقنية آمنة ظاهرياً أوضحت الطبيبة والعالمة البيولوجية Jana Meixner، الباحثة ورئيسة التحرير بمشروع “Medizin transparent” التابع لجامعة Uni Krems، أن تقنية الرنين المغناطيسي غير مؤلمة ولا تنطوي على مخاطر إشعاعية مباشرة، بخلاف التصوير بالأشعة السينية أو الأشعة المقطعية (CT). ومع ذلك، فإن النظرة الشاملة لموثوقية هذه الفحوصات -بعد دراسة وتحليل الأبحاث العلمية المتاحة حول نتائجها لدى الأشخاص الأصحاء- تكشف عن وجود أسباب جوهرية تدعو إلى تجنب إجراء هذا الفحص الشامل دون وجود دواعي طبية محددة.

إنذارات خاطئة تلاحق نصف الخاضعين للفحص أظهرت نتائج تحليل الدراسات المجمعة أن الاعتقاد السائد بأن زيادة الفحوصات الطبية تضمن سلامة أكبر ليس صحيحاً دائماً؛ ففي حالة الـ Ganzkörper-MRT، لا تعني كثافة الفحوصات تقديم رعاية صحية أفضل. وبيّنت البيانات الرقمية أنه عند خضوع 100 شخص سليم لا يعانون من أي أعراض مرضية للفحص:

  • يتم رصد تغيرات أو علامات غير طبيعية لدى نحو 45 شخصاً قد توحي بوجود مرض خطير.
  • يتوجب على هؤلاء الـ 45 شخصاً الخضوع لفحوصات وتدقيقات إضافية لمعرفة حقيقة وضعهم الصحي، ليتبيّن لاحقاً أن الشكوك كانت خاطئة لدى 43 شخصاً منهم، مما يعني أنهم خضعوا لمتابعات طبية غير ضرورية وعاشوا حالة من القلق الشديد دون داعٍ.
  • تتأكد الإصابة الفعلية لدى شخص واحد أو شخصين فقط، حيث يُكتشف لديهما مرض لم يكن ليزول أو يُكتشف إلا لاحقاً، مع بقاء التساؤل قائماً حول ما إذا كان هذا المرض المكتشف سيتسبب في مشاكل صحية مستقبلاً أم لا.
  • يستقبل باقي المشاركين (حوالي 55 شخصاً) تقارير تطمينية تؤكد سلامة أجسادهم، دون وجود ضمانات أو أدلة كافية من دراسات طويلة الأجل تثبت عدم تفويت أي أمراض خفية لديهم.

تبعات صحية ونفسية معقدة بسبب التشخيص الخاطئ يترتب على الإنذارات الخاطئة الخضوع لإجراءات طبية تداخلية إضافية، مثل أخذ عينات من الخزعات النسيجية (Biopsien) التي قد تتطلب أحياناً خضوع المريض للتخدير العام. وتنطوي هذه الإجراءات على مخاطر صحية مباشرة تشمل النزيف، أو مضاعفات التخدير، أو حدوث التهابات في موضع الجرح. علاوة على ذلك، يتسبب اكتشاف أي علامات غير طبيعية في إدخال المريض في حالة من التوتر النفسي الشديد والخوف، وتمر أيام أو أسابيع صعبة حتى ظهور نتائج الخزعة النهائية. وأشارت الدراسات إلى أن المرضى يقيّمون التغيرات المكتشفة في الرنين المغناطيسي بدرجة أعلى بكثير من الخطورة مقارنة بالأطباء التشخيصيين الذين يدركون مسبقاً الارتفاع الكبير لنسبة الإنذارات الخاطئة.

ضغوط متزايدة على نظام الرعاية الصحية والأطباء لا ينحصر التأثير السلبي لعدم موثوقية هذه النتائج على الأفراد فحسب، بل يمتد ليشكل عبئاً على نظام الرعاية الصحية بأكمله. ولهذا السبب، لا يدرج أي نظام تأمين صحي عام في أي دولة خدمة Ganzkörper-MRT ضمن فحوصات الكشف المبكر للأفراد الأصحاء. فالتعامل مع الحالات الخاطئة ومتابعة النتائج العرضية غير الضارة (Zufallsfunde) يتطلب إجراء فحوصات وعلاجات إضافية تقع تكاليفها على عاتق التأمين الصحي، مما يفاقم الضغط على القطاع الطبي ويزيد من أزمة نقص الأطباء.

وفي مقابل ذلك، يوفر النظام الصحي في النمسا فحوصات مبكرة موثوقة ومثبتة علمياً لتشخيص السرطان وتغطيها صناديق التأمين بالكامل، من بينها: تنظير القولون (Darmspiegelung)، والفحص الشعاعي للثدي (Mammographie)، وفحص الشامات الجلدية (Muttermal-Kontrolle)، ومسحة العنق (Pap-Abstrich).

الفرط التشخيصي: عندما تتحول التكنولوجيا الطبية إلى مصدر ضرر تتكفل صناديق التأمين الصحي بتكاليف فحوصات الرنين المغناطيسي فقط عند وجود شبهة طبية مبررة لإصابة معينة. ويُعرف إجراء فحوصات غير موجهة ومكثفة دون داعٍ طبي باسم “الفرط التشخيصي” (Überdiagnostik)، وهي ظاهرة باتت تؤرق المجتمعات الغربية. فالرغبة في الحماية القانونية وتوفر التقنيات التشخيصية الحديثة يدفعان بعض الأطباء لإجراء فحوصات غير ضرورية، في حين أن العديد من الأشكال المرضية البسيطة تتشافى ذاتياً.

وتؤكد الأوساط الطبية أن بعض الأورام تنمو ببطء شديد لدرجة أنها قد لا تسبب أي أعراض طوال حياة الإنسان، لكنها تظهر بوضوح في التصوير بالرنين المغناطيسي. وفي هذه الحالات، تتغلب مخاطر العلاجات والآثار الجانبية للفحوصات الإضافية على أي فائدة مرجوة. ولهذا السبب، تدعو الجمعيات الطبية المتخصصة حالياً إلى ضبط النفس وتقليل استخدام فحوصات الأشعة السينية والمقطعية والرنين المغناطيسي، خصوصاً في حالات آلام الظهر المفاجئة التي يزول معظمها تلقائياً خلال أسابيع قليلة دون الحاجة لتصوير إشعاعي.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى