نظام “الكوتا” يدخل حيز التنفيذ في النمسا.. تفاصيل القواعد الجديدة ولمّ شمل أسر اللاجئين والأمم المتحدة تندد بشدة
النمسا ميـديـا – فيينا:
دخل القانون الجديد الخاص بفرض نظام الحصص (الكوتا) على إجراءات لمّ شمل أسر اللاجئين في النمسا حيز التنفيذ بداية إغسطس، بموجب قرار أصدره وزير الداخلية النمساوي Gerhard Karner من حزب الشعب ÖVP، وذلك بهدف حماية المرافق الحكومية والقطاع التعليمي والخدمات العامة في العاصمة فيينا ومختلف الولايات النمساوية من أعباء الضغط الزائد الناجم عن التدفق المتزايد لأسر اللاجئين، ولا سيما حاملي الجنسية السورية والجنسية الأفغانية، وسط حالة واسعة من الترقب والغموض التي تسود أوساط العائلات المتأثرة والمنظمات الحقوقية والأنشطة الإنسانية.
آلية نظام “الكوتا” وتفاصيل الفراغ التنفيذي بين الولايات
وينص النظام الجديد أساساً على أنه يتوجب توافر شاغر ضمن كوتا الحصص المحددة سنوياً، إلى جانب استيفاء جميع الشروط الشكليّة والقانونية السابقة للحصول على موافقة لمّ الشمل العائلي. وعلى الرغم من دخول قاعدة الحصص حيز التنفيذ رسمياً، فإن المتأثرين يواجهون مجهولاً تنفيذياً؛ حيث لم يتم التوصل بعد إلى اتفاق نهائي بشأن “مرسوم الاستقرار والتوطين” بين الحكومة الاتحادية والولايات النمساوية، وهو المرسوم المنوط به تحديد الحصص الفعلية المخصصة لكل ولاية. ونتيجة لهذا التأخير، يظل من غير المعلوم متى سيبدأ المكتب الاتحادي للهجرة واللجوء BFA في اتخاذ القرارات وإصدار الموافقات الأولى.
الفوارق القانونية بين صفة اللجوء والحماية الثانوية
ويُحدث النظام الجديد معايير مشددة تُلقي بظلالها على كافة المستفيدين من الحماية، إلا أن التأثير يمتد بشكل تبايني بناءً على الصفة القانونية للمقيمين. ففي السابق، كان يحق للمستفيدين من حق اللجوء الكامل — وهم الأشخاص الذين يتعرضون للملاحقة الفردية المباشرة في بلادهم بسبب الدين أو العرق أو الجنسية أو الرأي السياسي أو الانتماء لفئة اجتماعية معينة — استقدام أفراد أسرهم المقربين (الزوجات والأبناء القاصرين أو الوالدين) بشكل فوري تقريباً، غير أن المحدودية المتوقعة للشواغر المتاحة في نظام الحصص باتت تهدد بتأخير هذه المعاملات بشكل ملحوظ.
الشروط المشددة والتعديلات القانونية للحماية الثانوية
أما بالنسبة للحاصلين على الحماية الثانوية — وهم الذين لا يتعرضون لملاحقة شخصية مباشرة ولكنهم يواجهون أخطار التعذيب أو عقوبة الإعدام أو العنف العشوائي في بلادهم الأصلية مثل السوريين والأفغان — فقد تم تقليص فترة انتظارهم النظرية بموجب القانون لتصبح “سنتين على الأقل” بدلاً من ثلاث سنوات، تجاوباً مع قرار المحكمة الدستورية العليا VfGH. غير أن هذا التقليص النظري يصطدم بضغط سياق واقعي؛ حيث يضغط الوزير Gerhard Karner وعدد من رؤساء حكومات الولايات النمساوية باتجاه خفض الكوتا المخصصة لهذه الفئة إلى مستويات تقارب الصفر، مما يهدد بتمديد فترات الانتظار الفعلية مجدداً لتتجاوز السنوات السابقة.
إلى جانب ذلك، يتوجب على الحاصلين على الحماية الثانوية إثبات توافر سكن ملائم وتأمين صحي شامل ودخل مالي كافٍ؛ إذ تتطلب الشروط النمساوية لعائلة مكونة من طفلين دخلاً صافياً يقارب 2450 يورو شهرياً، يُضاف إليها تكاليف الإيجار ورسوم المعاملات التي تبلغ مئات اليوروهات.
التبعات القانونية والموقف الدولي من نظام الحصص
من جانبه، أكد Lukas Gahleitner-Gertz من منظمة asylkoordination أن مواعيد إعادة الشمل أصبحت مجهولة بالكامل مع الانتقال لنظام الكوتا، مشيراً إلى أن نظام الحصص يتعارض بشكل صارخ مع الأطر القانونية الأوروبية، ويخلق حالة دائمية من الشك وعدم الاستقرار لدى المقيمين.
وفي السياق ذاته، حذر Christoph Pinter، ممثل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR، من أن القلق الدائم على الأسرة يمثل عائقاً كلياً أمام جهود الاندماج والتعلم واندماج اللاجئين في سوق العمل النمساوي. وأوضحت المفوضية أن تأخير لمّ الشمل يؤثر بشكل خطير على الأطفال؛ إذ إن وصول الأطفال المتأخر بنحو ثلاث إلى خمس سنوات يقلل فرص مجاراتهم للمستوى التعليمي لأقرانهم النمساويين في المدارس.
ومع ذلك، أوضح مكتب الأمم المتحدة للاجئين أن لمّ الشمل لن يتوقف تماماً بغض النظر عن حجم الكوتا؛ حيث ينص القانون والاتفاقيات الدولية على ضرورة إتمام الشمل بعد ثلاث سنوات كحد أقصى من تقديم الطلب، إذ يصبح حق الحياة الأسرية بموجب المادة 8 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان EMRK ذا وزن قانوني ملزم يتيح دخول الأقارب حتى دون الحاجة لوجود شاغر في الكوتا.
موقف وزارة الداخلية النمساوية وتحديات المنظومة
ورداً على استفسارات موقع ORF.at، صرحت وزارة الداخلية النمساوية بأن تخفيف الضغط عن الأنظمة والخدمات الحكومية يمثل “أولوية قصوى” للحكومة، مشددة على أن المنظومة الفعالة والمنظمة هي الوكيلة الوحيدة لتحقيق اندماج ناجح واستقرار اجتماعي.
وكانت قضية لمّ الشمل قد تصدرت المشهد السياسي والإعلامي في النمسا خلال عامي 2023 و2024، عقب وصول آلاف الأطفال والشباب إلى البلاد عبر هذه الآلية، وكان معظمهم من حملة الجنسية السورية. وظهرت آثار ذلك بشكل مباشر في مدارس العاصمة فيينا، التي واجهت تحديات كبيرة في الاستيعاب والتأهيل التعليمي، ما دفع حزب الشعب ÖVP للتعهد بإعادة تنظيم الملف وإعادة فرض القيود، وهو ما أدى بالفعل إلى انخفاض معدلات الوصول الأخيرة بشكل كبير.
تحذيرات من اتساع شبكات التهريب وخطوط السفر الخطرة
وفي ختام التحليل المشهد، حذر Christoph Pinter رئيس مكتب UNHCR في النمسا من أن فرض الكوتا وتأخير المساطر القانونية قد يدفع العائلات اليائسة المنتظرة في دول الجوار، مثل تركيا والدول المجاورة، إلى البحث عن بدائل غير شرعية. واختتم بالقول إن هذا الإجراء قد يخدم عن غير قصد شبكات المهربين ويدفع اللاجئين لسلوك طرق سفر شديدة الخطورة تهدد حياتهم، رغم التأكيدات المستمرة من الحكومة النمساوية على التزامها الصارم بمكافحة تهريب البشر.