إلغاء اللجوء ومطالبات بسداد الملايين.. أزمة قانونية ومالية تعصف بمئات العائلات السورية الأرمنية في النمسا
النمسا ميـديـا – فيينا:
تواجه مئات العائلات السورية من أصل أرميني في العاصمة النمساوية فيينا أزمة قانونية ومالية غير مسبوقة، عقب سحب المكتب الفيدرالي للهجرة واللجوء (BFA) حق اللجوء منهم بدعوى حيازتهم للجنسية الأرمينية وتضليل السلطات النمساوية؛ حيث بدأت دائرة الشؤون الاجتماعية (MA 40) بمطالبتهم بإعادة كافة أموال الدعم الاجتماعي (Mindestsicherung) التي تحصلوا عليها على مدار سنوات، والتي تصل إلى مئات الآلاف من اليوروهات، وسط تهديدات بملاحقتهم جنائياً بتهمة الاحتيال الاجتماعي (Sozialbetrug) التي قد تصل عقوبتها إلى السجن لثلاث سنوات.
مطالبات مالية باهظة تهدد استقرار عائلة Artun H.
يعيش Artun H. (اسم مستعار لحماية هويته بسبب الإجراءات القانونية المفتوحة) مع عائلته في النمسا منذ 14 عاماً، وهو ينتمي إلى الأقلية المسيحية الأرمينية التي كانت تقيم في سوريا. وتواجه العائلة اليوم مطالبة مالية ضخمة وصادمة من قبل دائرة الشؤون الاجتماعية والصحية والرعاية في فيينا (MA 40)، تعجز العائلة تماماً عن سدادها. وتطالب السلطات بإعادة كافة مبالغ “الحد الأدنى من الدعم الاجتماعي” (Mindestsicherung) التي صُرفت لـ Artun H. وزوجته وأطفاله وجده، لتبلغ القيمة الإجمالية للمطالبة مبلغاً خماسياً باليورو (يتجاوز 100,000 يورو)، مع مخاوف العائلة الممتدة من صدور مطالبات إضافية من مصلحة الضرائب (Finanzamt) لاسترداد إعانات الأطفال (Familienbeihilfe). ويقول H. بحسرة: “لقد بنينا لأنفسنا حياة واستقراراً في النمسا بعد جهود شاقة، والان نواجِه هذا المصير”.
اندماج نموذجي واستقرار تحوّل إلى كابوس قانوني
قبل 13 عاماً، حصلت عائلة H. على حق اللجوء في النمسا كمواطنين يحملون الجنسية السورية عقب وصولهم إلى مطار فيينا. شهدت السنوات التالية جهوداً حثيثة للاندماج من خلال تعلم اللغة الألمانية، والبحث عن سكن، وإتمام الأطفال لدراستهم. وساهمت المساعدات الاجتماعية التي حصلوا عليها بصفتهم لاجئين معترفاً بهم ومساوين قانونياً للمواطنين النمساويين في تحقيق هذا الاستقرار، حتى تمكن Artun H. من العمل الحر وإدارة مشروع تجاري صغير بنجاح مع شريك له. واستمر هذا الوضع المستقر حتى عام 2024، حين عادت سلطات الهجرة واللجوء (BFA) للظهور مجدداً بعد 11 عاماً، لتطلق إجراءات إسقاط اللجوء عنهم – كما حدث مع مئات الحالات لمواطنين سوريين من الأقلية الأرمينية في مختلف أنحاء النمسا – بذريعة أنهم يحملون الجنسية الأرمينية إلى جانب السورية وأنهم قاموا بتضليل الجمهورية النمساوية.
جوازات السفر ودور شبكات التهريب (Schlepper)
يوضح Artun H. أن دخولهم للنمسا تم بمساعدة جوازات سفر أرمينية أمنها لهم المهربون (Schlepper)، الذين استغلوا استجابة السلطات الأرمينية وتسهيلاتها لمنح وثائق لأبناء الأقليات الأرمينية في الدول الأخرى. وأكد H. أنه وعائلته لم يمسكوا بتلك الجوازات الأرمينية بجل أيديهم إطلاقاً أثناء رحلتهم، وهو ما يتطابق تماماً مع شهادات العديد من السوريين الأرمن المتضررين من قرارات سحب اللجوء، والذين يواجه بعضهم – ممن يقيمون لفترات أقصر في النمسا – خطر الترحيل ومغادرة البلاد.
عدم إخفاء الجوازات أثناء التحقيقات الأولية (Erstbefragung)
تُظهر الوثائق والشهادات لعديد الحالات أن وجود جواز السفر الأرميني تم طرحه والحديث عنه منذ بداية إجراءات اللجوء. واطلعت صحيفة “Der Standard” على محاضر التحقيق الأولي (Erstbefragung) لثلاثة أشخاص مختلفين؛ حيث تبين أنهم وصلوا النمسا عبر رحلات ترانزيت واستخدموا الجوازات الأرمينية للحصول على التأشيرة فقط، وبالتالي تلقت الشرطة والـ BFA بيانات الجوازات الأرمينية مسبقاً من شركات الطيران. وأقر الجميع خلال جلسات التحقيق الأولى لدى الشرطة ب حصولهم على الجوازات عبر مهربين (Schlepper)، وصرحوا بعدم معرفتهم ما إذا كانت تلك الجوازات رسمية أو مزورة، وتقدموا جميعاً بطلبات اللجوء كمواطنين سوريين وليسوا كأرمينيين.
تباين القرارات القضائية في المحكمة الإدارية الفيدرالية (BVwG)
وصلت العشرات من هذه القضايا إلى المحكمة الإدارية الفيدرالية (BVwG)، والتي أظهرت تبايناً ملحوظاً في أحكامها القضائية. ففي إحدى القضايا، رأت المحكمة أن المكتب الفيدرالي (BFA) كان على علم بوجود جواز سفر أرميني منذ التحقيق الأول (Erstbefragung)، لكن السلطة “قصرت في إجراء التحقيقات الأصولية اللازمة” للتحقق من صحة البيانات، رغم أن ذلك لم يكن يتطلب جهداً استثنائياً. وأكدت المحكمة أن هذا التقصير الإداري ينفي وجود جرم “الاحتيال للحصول على اللجوء” (Erschleichung) من قبل اللاجئ. في المقابل، اعتبرت أحكام أخرى في حالات مشابهة أن المتهمين تعمدوا إخفاء الجنسية الأرمينية “عن معرفة ودراية”، خاصة للذين استصدروا وثائقهم عبر السفارات الأرمينية (مثل القنصلية في Aleppo)، مشيرة إلى علمهم المسبق بأن حاملي الجنسية الأرمينية لا يحق لهم الحصول على اللجوء، مما يشكل تضليلاً صريحاً.
جدل الوثائق البيومترية وخطر السجن لثلاث سنوات
تتضمن بعض الحجج القانونية الصادرة ضد اللاجئين أن أرمينيا بدأت بإصدار جوازات سفر بيومترية منذ عام 2012 تتطلب الحضور الشخصي لالتقاط الصور والبصمات، مما يعني معرفة المتهمين بصحة الوثائق. إلا أن السوريين الأرمن ينفون ذلك مؤكدين أن المهربين استخرجوا جميع الأوراق، وهو ما أيدته تقارير حقوقية صادرة عن منظمات غير حكومية في أرمينيا تؤكد أن الجوازات البيومترية لم تُطبق بشكل كامل وشامل في ذلك الوقت بسبب مشاكل تقنية. وعلى خلفية إلغاء اللجوء، أعادت دائرة الشؤون الاجتماعية (MA 40) فتح ملفات “الحد الأدنى من الدعم الاجتماعي” (Mindestsicherung)، مُعتبرة أن المساعدات أُخذت بناءً على تضليل للسلطات، مما يضع المتضررين تحت طائلة المادة 199 من قانون شرطة الأجانب (FPG) المتعلقة بـ “الاستغلال غير المشروع للمساعدات الاجتماعية” أو الاحتيال الاجتماعي (Sozialbetrug). وتصل عقوبة هذا البند إلى السجن لمدة عام أو غرامات مالية، وتنزيلاً للمبالغ التي تتجاوز 3000 يورو، قد تصل عقوبة السجن إلى ثلاث سنوات. وأكدت دائرة MA 40 في بيان رسمي أنها ملزمة بإعادة فتح هذه الملفات، مشيرة إلى وجود 135 حالة قيد التحقيق حالياً في فيينا لمواطنين سوريين من الأقلية الأرمينية، صُدرت قرارات رسمية بشأن 12 حالة منها حتى الآن.
