المعايير الدولية لعديمي الجنسية.. كيف يؤثر القانون الدولي على إصلاح الجنسية في النمسا؟

النمسا ميـديـا – خاص:
تناولت التقارير القانونية الصادرة في العاصمة فيينا، بالتزامن مع مراجعة السجلات والوثائق الرسمية حتى شهر أكتوبر 2026، الضوابط التشريعية والالتزامات الدولية المتعلقة بملف الأشخاص عديمي الجنسية (Statelessness) في النمسا، وتكتسب هذه المعايير أهمية خاصة في ظل توجه الائتلاف الحكومي المكون من أحزاب (ÖVP) و(SPÖ) و(NEOS) لإصلاح قانون الجنسية النمساوي (Staatsbürgerschaftsgesetz)، حيث تعتمد المرجعية الدولية على اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1954 المتعلقة بوضع الأشخاص عديمي الجنسية، وإرشادات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، إضافة إلى اتفاقية عام 1961 الرامية إلى الحد من حالات انعدام الجنسية، للتحقق من الوضع القانوني وتوفير الضمانات الإجرائية للركائز الأساسية للحماية الإنسانية.
أولاً: التحديد القانوني والتعريف الدولي لمفهوم “عديم الجنسية”
تحدد المادة الأولى، الفقرة الأولى، من اتفاقية عام 1954 التعريف القانوني المعتمد دولياً لعديم الجنسية بأنه «الشخص الذي لا تعتبره أي دولة مواطناً فيها بمقتضى تشريعاتها». ويستلزم هذا التعريف فحصاً قانونياً دقيقاً لتشريعات الدول ذات الصلة وكيفية تطبيقها عملياً، إذ لا يُعتبر الشخص عديم جنسية بمجرد عدم امتلاكه جواز سفر، أو انتهاء صلاحية وثائقه، أو صعوبة إثبات جنسيته. وتوضح الأطر القانونية أن حمل الشخص لوثيقة سفر للأجانب، أو تسجيل جنسيته في القواعد الإدارية على أنها «غير محددة»، لا يثبت وحده انعدام الجنسية، كما أن غياب المستندات الرسمية لا ينفي بالضرورة تمتعه بجنسية معينة.
ثانياً: الضمانات الإجرائية الواجب توفرها في نظام تحديد انعدام الجنسية
استناداً إلى دليل الحماية الصادر عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (Handbook on Protection of Stateless Persons) والتقرير الخاص بالنمسا لعام 2017، يتطلب إنشاء إجراء رسمي لتحديد انعدام الجنسية توافر ضمانات أساسية معتمدة دولياً:
- إتاحة تقديم الطلب دون اشتراط الإقامة القانونية: كفالة وصول جميع الأشخاص الموجودين على أراضي الدولة إلى الإجراءات، بغض النظر عن قانونية إقامتهم، ودون فرض مهل زمنية اعتباطية قد تحرم المستحقين من الحماية.
- إنشاء إجراء رسمي بموجب القانون: تأسيس آلية قانونية واضحة ومحددة تتولاها جهة مركزية متخصصة لفحص الطلبات، مع ضمان حق الطعن أمام جهة مستقلة لتجنب التباين في الممارسات الإدارية.
- المشاركة في عبء الإثبات: تقاسم مسؤولية جمع الأدلة بين المتقدم والسلطات المختصة، بحيث تتولى الجهات الرسمية التواصل مع الدول المعنية وفحص قوانينها، مع اعتماد معيار إثبات يقوم على “الاحتمال المعقول” بدلاً من مطالبة الشخص بإثبات مطلق.
- ضمان حق الدفاع والطعن: تمكين المتقدم من تقديم أدلته، والحصول على المساعدة القانونية (بما في ذلك المساعدة المجانية للمعسرين)، وصدر قرار معلل قابل للاعتراض أمام القضاء.
- الحماية من الإبعاد أثناء دراسة الطلب: عدم إبعاد الشخص من أراضي الدولة خلال فترة البت في طلبه، وإحالة الحالات المحتملة إلى الجهات المختصة في مراحل مبكرة مثل إجراءات اللجوء أو الاحتجاز.
ثالثاً: الحقوق والآثار القانونية المترتبة على الاعتراف بصفة “عديم الجنسية”
إن الاعتراف بصفة انعدام الجنسية لا يعني منح الجنسية النمساوية أو تصريح الإقامة تلقائياً بموجب اتفاقية عام 1954. ومع ذلك، فإن الاتفاقية – التي انضمت إليها النمسا عام 2008 – تلزم الدولة بمنح مجموعة من الحقوق والحمايات للمستفيدين:
- الوثائق والهوية: إصدار أوراق هوية رسمية لعديمي الجنسية الذين لا يحملون وثائق سفر صالحة وفقاً للمادة 27.
- وثائق السفر: منح وثائق سفر خاصة وفق أحكام المادة 28 والمرفق التابع لها.
- العمل المأجور: تنظيم أحكام العمل المأجور والمهن الحرّة بموجب المادتين 17 و18.
- التعليم: ضمان المعاملة العادلة في التعليم العام والابتدائي وفق المادة 22.
- المساعدة العامة: توفير خدمات الإغاثة والمساعدات العامة بموجب المادة 23.
- الحماية من الإبعاد: تقييد إبعاد المقيمين بصورة قانونية وحصره بحالات الأمن القومي أو النظام العام وفق المادة 31.
- التجنس: التزام الدولة بتيسير استيعاب عديمي الجنسية وتجنسهم وتسريع الإجراءات وتخفيض الرسوم بموجب المادة 32.
ويظل تطبيق هذه الحقوق ونوع تصريح الإقامة الممنوح محكومين بالتنظيم التشريعي الداخلي للنمسا ومدى استيفاء الشروط الخاصة بكل حق.
رابعاً: اتفاقية عام 1961 وضمانات منع انعدام الجنسية بين الأطفال
تختلف اتفاقية عام 1961 عن اتفاقية عام 1954 بتركيزها على الوقاية ومنع انعدام الجنسية عند الولادة. وتتضمن الاتفاقية منح جنسية الدولة للمولود على أراضيها إذا كان سيصبح عديم الجنسية لولا ذلك، ووضع قواعد تمنع فقدان الجنسية إذا كان ينجم عنه انعدامها. وفي السياق المحلي النمساوي، تتيح المادة 14 من قانون الجنسية (Staatsbürgerschaftsgesetz) للأطفال المولودين في النمسا والذين استمر وضعهم كعديمي جنسية تقديم طلب مبسط للتجنس بين سن 18 و21 عاماً، في حين توصي المفوضية السامية بتعديل هذا الإجراء لمنحهم الجنسية عند الولادة أو بعدها بوقت قصير.
خامساً: التوصيات المحددة الصادرة عن المفوضية السامية للنمسا
أوصت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، في تقريرها المقدم إلى الأمم المتحدة بشأن النمسا في يوليو 2025، باتخاذ عدة خطوات رئيسية:
- إنشاء آلية متخصصة: بناء نظام قانوني متخصص لتحديد انعدام الجنسية، يمنح تصريح إقامة يعتمد على هذه الصفة ويضمن حقوق الإنسان الأساسية.
- تسهيل التجنس: خفض فترة الإقامة القانونية المطلوبة لطلب التجنس من 10 سنوات إلى 6 سنوات على الأقل لعديمي الجنسية ومراجعة العقبات الإدارية.
- حماية الأطفال عند الولادة: منح الجنسية النمساوية تلقائياً للأطفال المولودين على الأراضي النمساوية الذين يواجهون خطر انعدام الجنسية فور ولادتهم.
وتعد هذه النقاط توصيات أممية توجيهية، حيث لا تنص اتفاقية عام 1954 على مدة تجنس محددة بست سنوات، بل تكتفي بالحث على تيسير وتسريع الإجراءات.
سادساً: واقع الملف في النمسا والنقاط الحاسمة للمراقبة التشريعية
كشفت بيانات المفوضية الصادرة لعام 2025 أن عدد عديمي الجنسية المسجلين في النمسا بنهاية عام 2024 بلغت زهاء 3,900 شخص، يشملون فئات محددة كعديمي جنسية أو أفراداً مسجلين بجنسية “غير معروفة” أو “غير محددة”. وتتمثل الإشكالية القائمة في أن الاعتراف بانعدام الجنسية في النمسا لا يؤدي أوتوماتيكياً إلى منح إقامة قانونية، مما يترك أفراداً عاجزين عن العمل أو الحصول على المساعدات رغم التعذر الفعلي لترحيلهم.
وتتجه الأنظار نحو أي مشروع قانون جديد قد تقدمه الحكومة للبرلمان، لمعاينة المسائل التشريعية الحاسمة التالية:
- مدى إنشاء جهة اتحادية متخصصة لتحديد انعدام الجنسية.
- إمكانية تقديم الطلبات من قِبل غير الحاملين لإقامة قانونية.
- ربط الاعتراف بانعدام الجنسية بمنح تصريح إقامة رسمي.
- خفض مدة الإقامة المطلوبة لتجنس عديمي الجنسية إلى 6 سنوات.
- منح الجنسية للأطفال عديمي الجنسية المولودين في النمسا في مرحلة مبكرة.
- اعتماد المساعدة القانونية المجانية وحظر الإبعاد خلال فترة فحص الطلب.