بعد 41 عاماً من الفراق.. ضحية التعذيب الخاطئ من CIA يتجاوز أزمته في النمسا ويزور لبنان ويتهم ألمانيا بالتخلي عنه

النمسا ميـديـا – شتايرمارك:
في شهادة صحفية أحدثت تفاعلاً واسعاً، يستعيد المواطن الألماني Khaled El Masri (63 عاماً)، ذو الأصول اللبنانية والمقيم حالياً في مدينة Graz عاصمة مقاطعة شتايرمارك النمساوية، تفاصيل اختطافه الخاطئ عام 2003 وتعرضه للتعذيب على يد وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) ضمن “الحرب على الإرهاب”، متهماً الدولة الألمانية بالتخلي عنه والتستر على القضية لتجنب الاعتراف بأخطائها، ومؤكداً أن ما عاشه كشف عن ازدواجية المعايير لدى الدول الغربية التي ضحت بقيمها وسيادة القانون تحت شعارات أمنية، وذلك بالتزامن مع استقراره في النمسا بدعم من مؤسسات رعاية محلية وتجهيزه لسفر نادٍ لرؤية عائلته في لبنان بعد غياب دام 41 عاماً.
استعادة العافية في Graz ودعم المؤسسات النمساوية
بعد سنوات طويلة من المعاناة النفسية والجسدية جراء إصابته باعتلال عصبي وتردي وضعه المالي الذي يهدده بالإفلاس، تمكن Khaled El Masri من استعادة توازنه والعودة إلى حياته اليومية في مدينة Graz بمقاطعة شتايرمارك. ويرجع الفضل في هذا التحول الإيجابي إلى الدعم الكبير الذي قدمته مؤسسات الرعاية في المدينة؛ حيث ساهم مركز علاج متخصص وممثل رعاية بالغين (Erwachsenenvertreter) في مساعدته على تجاوز الإجراءات البيروقراطية المعقدة، وتأمين راتبه التقاعدي وحمايته من الانهيار المالي الكامل، مما مكنه من الانتقال إلى شقة أصغر والتخطيط لقضاء عطلة وزيارة عائلته في لبنان لأول مرة منذ أكثر من أربعة عقود.
تفاصيل الاختطاف والتعذيب بسبب تشابه الأسماء
تعد قضية Khaled El Masri واحدة من أكثر الفضائح البارزة في تاريخ عمليات الخطف السري (extraordinary rendition) التي نفذتها الإدارة الأمريكية. ففي ليلة رأس السنة عام 2003، وأثناء توجهه لرحلة سياحية إلى مقدونيا الشمالية، تم توقيفه عند الحدود واحتجازه لأسابيع داخل فندق في Skopje، قبل أن تقم عناصر قناع من الـ CIA بنقله مجبراً إلى سجن سري (Black Site) في أفغانستان. وهناك تعرض للضرب والانتهاكات والتعذيب والاحتجاز بتهمة باطلة بالانتماء لتنظيم القاعدة، فضلاً عن إطعامه قسرياً أثناء إضرابه عن الطعام، ليتكتشف المحققون بعد شهرين أن جواز سفره الألماني سليم وأن العملية برمتها بنيت على تشابه أسماء، قبل أن يتم إلقاؤه بعد ثلاثة أشهر إضافية في إحدى غابات ألبانيا مع تهديده وحثه على الصمت.
غياب المساءلة القانونية والتجاهل الرسمي في ألمانيا
على الرغم من فداحة الجريمة، فإن المسار القضائي شهد عراقيل جمة؛ حيث رفضت المحاكم الأمريكية الدعاوى المدنية بدعوى الحفاظ على “أسرار الدولة”، ولم تعترف واشنطن بالواقعة رسمياً إلا في عام 2014. وفي ألمانيا، وعلى الرغم من صدور مذكرات توقيف بحق 13 عنصراً من الـ CIA عام 2007، إلا أن الحكومة الإتحادية لم تنفذها لاعتبارات دبلوماسية وسياسية. وكانت الإدانة القضائية الوحيدة الصادرة في هذا الملف من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عام 2012 ضد دولة مقدونيا الشمالية للسماح للمخابرات الأمريكية بالعمل على أراضيها. كما تحيط الشكوك بمعرفة السلطات الألمانية المسبقة بالواقعة، خاصة بعد ثبوت قيام صحفيين مثل Stefan Eberlein بدحض الرواية الرسمية التي برأت أحد ضباط مكتب الفيدرالي للجريمة (BKA) الذي التقى بـ El Masri عقب الإفراج عنه.
انتقاد ازدواجية المعايير الغربية واللجوء إلى النمسا
في حديثه لصحيفة DER STANDARD، انتقد Khaled El Masri تقاعس برلين مقارنة بالدول الأخرى، مشيراً إلى التجربة الكندية عندما اعتذر رئيس الوزراء الأسبق Stephen Harper عام 2007 لضحية مماثل وعوضه بـ 10.5 مليون دولار. وأوضح El Masri أنه قرر الانتقال للعيش في النمسا للابتعاد عن الضغوط والإحباط الذي تسبب فيه التعامل الألماني مع قضيته كسرّ من أسرار الدولة. كما حذر من المساس بالحريات الفردية وتوسع سلطات المراقبة والتجسس الرقمي بداعي مكافحة الإرهاب، مؤكداً أن الدول الغربية فقدت قيمها وأصل مبادئها عندما انتهكت القوانين تحت ذرائع أمنية، ومشدداً على أنه سيبقى يطالب بالعدالة والشفافية مهما طال الزمن.