علماء نمساويون يخوضون سباقاً مع الزمن في غرينلاند لرصد تداعيات التغير المناخي

النمسا ميـديـا – شتايرمارك:
في نهاية شهر يوليو/تموز 2026، رافق فريق صحفي من التلفزيون النمساوي (ORF) البعثة العلمية النمساوية إلى محطة الأبحاث القطبية النمساوية في شرق غرينلاند، حيث ينفذ علماء نمساويون من جامعة غراتس (Universität Graz) ومؤسسات بحثية نمساوية أخرى دراسات ميدانية متعددة التخصصات لرصد التغيرات المناخية المتسارعة ومواجهة الآثار المتزايدة لظاهرة الاحتباس الحراري التي تمتد تأثيراتها حتى القارة الأوروبية.
يوميات العمل الميداني ورصد جبل Mittivakkat الجليدي تشرق الشمس في نهاية شهر يوليو/تموز فوق التلال المقابلة لتعلن بدء يوم جديد في محطة الأبحاث النمساوية بشرق غرينلاند، حيث لا يخيّم الظلام التام أبداً خلال فصل الصيف، مما يشكل تجربة قطبية فريدة للعلماء النمساويين. وفي تمام الساعة الثامنة صباحاً، يجتمع الفريق على وجبة الإفطار التي تشكل نقطة الانطلاق اليومية لعمل جماعي ودؤوب. وتنطلق الفرق البحثية نهاراً نحو الطبيعة القاسية، حيث يتركز المحور الرئيسي للأبحاث على جبل Mittivakkat الجليدي القريب، والذي يُعد واحداً من أكثر الجبال الجليدية دراسةً في المنطقة بسلسلة قياسات تاريخية تعود إلى ثلاثينيات القرن العشرين. كما تمثل الجبال الجليدية العائمة في المضيق البحري والخليج أمام المحطة هدفاً بحثياً ثانياً؛ فهذه الكتل الضخمة من المياه العذبة تغير طبيعة الهواء والبحر، بينما تؤثر الامتدادات الشمالية لتيار الخليج بشكل مباشر في سرعة ذوبانها. وتتسع المحطة النمساوية المكونة من دورين لنحو 25 شخصاً، إلى جانب المحطة الدنماركية المجاورة التي توفر مساحات إضافية للباحثين.
عواصف Piteraqs العاتية وتأثيرها على السكان المحليين تلقي الرياح المحلية القوية، المعروفة باسم عواصف Piteraqs، بظلالها على حياة السكان المحليين في المنطقة، إذ تصل سرعتها إلى 300 كيلومتر في الساعة وتتسبب في تدمير المنازل. ولهذا السبب، تسعى جامعة غراتس (Universität Graz) النمساوية إلى توسيع نطاق أبحاثها حول هذه العواصف، ومشاركة النتائج العلمية مع السكان المحليين، والاستفادة في الوقت نفسه من خبراتهم لمعرفة كيفية تغير سلوك هذه العواصف في ظل الاحتباس الحراري. وفي هذا السياق، يقول Julius Nielsen، وهو فني في محطة Sermilik ونشأ في المنطقة: “إن فهم كيفية تغير عواصف Piteraqs أمر بالغ الأهمية بالنسبة لنا، فهذه العواصف تكون شديدة العنف خاصة في فصل الشتاء. كما أننا نلمس آثار التغير المناخي في مجالات أخرى؛ حيث أصبح من المستحيل في بعض الأحيان التنقل باستخدام المركبات الثلجية أو كلاب الزلازل بسبب شح الثلوج في بعض المواسم، فضلاً عن عدم كفاية سمك الجليد البحري للتحرك عليه، ناهيك عن التغيرات التي طرأت على حركة صيد الأسماك”.
ابتكار أدوات قياس جديدة وتراجع الكتلة الجليدية تتواصل الجهود العلمية داخل المحطة، حيث تعكف طالبة الماجستير النمساوية Yvonne Fleischhacker ومدير المحطة Andreas Trügler على تطوير عوامة قياس متخصصة بهدف وضعها في بحيرة جليدية تابعة لجبل Mittivakkat لقياس مستويات الضغط ودرجات الحرارة ونسبة الملوحة. وقد أجرى الفريق اختبارات أولية بالتعاون مع الباحثة Antje Verheyen على الرصيف البحري أمام المحطة، حيث يتيح الخليج اختبار أجهزة القياس الجديدة بسهولة. ولتحديد عمق البحيرة الجليدية قبل وضع العوامة، قامت Yvonne Fleischhacker بقيادة زورق الكاياك وجوب البحيرة بالكامل. ويظهر جبل Mittivakkat الجليدي علامات واضحة للتأثر بالاحتباس الحراري، حيث يتراجع حاداً وبشكل ملحوظ؛ إذ أدت عاصفة Piteraqs دافئة وموجة من الطقس المشمس إلى إلحاق أضرار بالغة بالجبل الجليدي خلال فترة تواجد الفريق، يضاف إلى ذلك شح الثلوج خلال فصل الشتاء، حيث قامت العواصف بكنس وطرد الندف الثلجية القليلة التي تراكمت على السطح، مما جعل توازن الكتلة الجليدية سالباً بشكل واضح في المتوسط.
تقنيات الطائرات المسيرة والتصوير ثلاثي الأبعاد تؤكد الوقائع الميدانية أن الطبيعة لا تخضع لرغبات البشر أو حتى للمخططات البحثية؛ فقبل وصول طالبة الماجستير Yvonne Fleischhacker بوقت قصير، فاضت البحيرة الجليدية العليا لجبل Mittivakkat وانهارت، وهو ما أكدته الصور الفضائية التي التقاطتها وكالة الفضاء الأوروبية (ESA). وأمام هذا الواقع، كان على الفريق التكيف وجمع أكبر قدر ممكن من البيانات عن الوضع الراهن. ولهذا الغرض، أطلق فريق من جامعة غراتس (Universität Graz) طائرة مسيرة (درون) لتنفيذ مسح جوي دقيق، حيث قام الباحثان Wolfgang Sulzer وHarald Zandler بالتحليق عدة مرات فوق البحيرة الجليدية. وتلتقط الطائرة المسيرة، ذات الحجم الأكبر من الموديلات الترفيهية والمجهزة بكاميرات متخصصة، صوراً عالية الدقة بفواصل زمنية منتظمة بعد تحديد نقطة مرجعية بنظام GPS، ليتم دمج هذه الصور عبر الحاسوب وإنشاء نموذج ثلاثي الأبعاد (3D). وتكشف هذه البيانات كيفية تغيير مياه الجبال الجليدية للبيئة المحيطة، وتوفر قاعدة للرحلات الجوية القادمة لرصد التحولات المستمرة في البحيرة. وقد شارك الباحث Julian Breitler في تحليل البيانات داخل المحطة، لتضمين هذه النتائج في رسالة الماجستير الخاصة بالطالبة Yvonne Fleischhacker.
تلوث المواد الكيميائية الخالدة وتكامل التخصصات العلمية رغم أن غرينلاند يقطنها عدد قليل من السكان يعادل تقريباً سكان مدينة St. Pölten النمساوية، وتساوي مساحة مناطقها الساحلية الخالية من الجليد مساحة ألمانيا، إلا أن المواد الكيميائية الدائمة المعروفة باسم (PFAS) قد وصلت إليها. وتتواجد هذه المواد عادة في أواني الطهي المغلفة والملابس المقاومة للماء، ورغم عدم وجود تجمعات سكنية كبيرة، تم العثور عليها في النباتات والشنات هناك. وتوضح عالمة الأحياء Emma Hanny، أثناء أخذها عينة من التربة: “من المرجح أن مواد PFAS تنتقل إلى غرينلاند عبر الغلاف الجوي، ونحن نعمل على دراسة ذلك عن كثب”. إن البيانات التي يتم جمعها في أسبوع واحد تستغرق من الباحثين أشهراً أو سنوات لتحليلها. ويخطط فريق الطائرات المسيرة للعودة العام المقبل، كما أعد باحثان من جامعة الموارد الطبيعية وعلوم الحياة النمساوية (BOKU) دراسات مسحية إضافية حول المحطة، بينما يعتزم علماء أوقيانوغرافيا أمريكيون زيارة المنطقة مستفيدين من مرور امتدادات تيار الخليج أمام المحطة مباشرة. إلى جانب ذلك، يتم التحضير لمشاريع أبحاث في العلوم الاجتماعية بالتشارك مع سكان بلدة Tasiilaq المجاورة. ويسعى مدير المحطة Andreas Trügler إلى تنسيق هذه الجهود ومعالجة البيانات المجمعة حول محطة Sermilik بشكل مؤسسي وإتاحتها للعامة. وفي النهاية، ورغم أن جليد غرينلاند لن يختفي بين عشية وضحاها، إلا أن الاحتباس الحراري يسبب تأثيرات ضخمة وملموسة ويطلق عمليات غير خطية تتداخل فيما بينها وتمتد آثارها وصولاً إلى أوروبا، مما يدفع البحث العلمي للتحول ونحو مزيد من التكامل بين التخصصات.