مراجعة في قرار لم الشمل.. كيف تغيرت شروط الإقامة لأصحاب الحماية الفرعية في النمسا؟

النمسا ميـديـا – فيينا:
شهدت الساحة القانونية والسياسية في النمسا خلال شهر أغسطس 2026 دخول تعديلات تشريعية جذرية حيز التنفيذ، استهدفت مسار لم الشمل العائلي للأشخاص الحاصلين على صفة الحماية الفرعية. التعديلات الجديدة، التي أقرتها السلطات النمساوية ونقلت الملف بشكل كامل من قانون اللجوء إلى قانون الإقامة والاستقرار، فرضت شروطاً صارمة شملت فترات انتظار إلزامية، وتطبيق نظام الحصص، واشتراطات مالية وإسكانية دقيقة، مما أثار جدلاً قانونياً واسعاً في الأوساط الحقوقية حول مدى توافق هذه الإجراءات المستحدثة مع المعايير الأوروبية والاتفاقيات الأممية، وفتح الباب أمام احتمالات طعون جادة أمام المحكمة الدستورية.
تفاصيل التعديلات القانونية الجديدة في النمسا
بموجب القواعد الجديدة التي دخلت حيز التنفيذ، تم نقل تنظيم مسار لم الشمل لأصحاب الحماية الفرعية من المادة 35 من قانون اللجوء (AsylG) إلى المادة 46a من قانون الإقامة والاستقرار النمساوي (NAG). وبناءً على ذلك، لم يعد أفراد الأسرة يحصلون على صفة “الحماية الفرعية” بشكل تلقائي، بل يُمنحون تصريح إقامة من نوع “Rot-Weiß-Rot – Karte plus”. ويُشترط الآن للموافقة على الطلب أن يكون الشخص المقيم في النمسا قد مضى على حصوله على قرار الحماية بصفة نهائية مدة لا تقل عن سنتين.
علاوة على ذلك، يخضع مسار الحصول على الإقامة وفق المادة 46a لنظام الحصص السنوية (الكوتا)، مما يعني أن الطلبات تُسجل وتُعالج بحسب توفر الأماكن ضمن الحصة المخصصة في الولاية. كما يشترط القانون الجديد لإتمام لم الشمل أن يكون الزواج قائماً بالفعل قبل دخول صاحب الحماية إلى النمسا. ولم يعد هناك إعفاء عام من متطلبات الإعاشة، حيث أصبح لزاماً إثبات توفر السكن المناسب، والتأمين الصحي الشامل، والموارد المالية الكافية وتُفحص كشرط أساسي. وفي استثناء وحيد، يُعفى أفراد الأسرة المتقدمون وفق هذا المسار من شرط إثبات مستوى اللغة الألمانية A1 قبل القدوم إلى النمسا.
المشروعية القانونية في السياق الأوروبي
تستند الحكومة النمساوية في إقرار هذه التعديلات إلى الهوامش القانونية التي يتيحها القانون الأوروبي للدول الأعضاء في تنظيم شؤون الهجرة. فوفقاً لتوجيهات الاتحاد الأوروبي (EU Directive 2003/86/EC) المتعلقة بلم الشمل، تُلزم الدول بتسهيل الإجراءات للاجئين المعترف بهم بموجب اتفاقية جنيف، في حين لا ينسحب هذا التوجيه على أصحاب “الحماية الفرعية” بنفس المعايير الملزمة. وقد أقرت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي (EuGH) في مناسبات قضائية عدة بحق الدول الأعضاء في فرض شروط أكثر صرامة، مثل فترات الانتظار أو إثبات الدخل المستقل، على هذه الفئة.
ومن جهتها، تنظر المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (EGMR) إلى هذه القضايا من زاوية المادة 8 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والتي تكفل الحق في احترام الحياة العائلية. وتعتبر المحكمة أن فترات الانتظار لا تشكل انتهاكاً بحد ذاتها، شريطة ألا تجعل الشروط المجتمعة عملية لم الشمل “مستحيلة عملياً” أو تؤدي إلى تشتت أسري دائم دون مبرر قانوني وازن يتناسب مع سياسة الدولة.
الموقف الأممي والمنظمات الدولية
على الصعيد الدولي، تواجه التعديلات النمساوية انتقادات مستمرة من قبل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، التي ترفض التفرقة القانونية بين اللاجئين وأصحاب الحماية الفرعية في قضايا لم الشمل. وتؤكد المفوضية أن كلا الفئتين بحاجة ماسة إلى الحماية الدولية، وأن تشتت العائلات يقف عائقاً رئيسياً أمام جهود الاندماج في المجتمع المضيف ويتعارض مع المبادئ الإنسانية.
كما تبرز مخاوف قانونية تتعلق بمدى الالتزام باتفاقية حقوق الطفل (UNCRC)، التي تنص صراحة على وجوب أن تكون مصلحة الطفل الفضلى هي الاعتبار الأول في أية إجراءات إدارية. ويُعد فرض قيود مادية معقدة وإخضاع الطلبات لنظام حصص على لم شمل الأطفال توجهاً يتعارض مع التوصيات الأممية، بالرغم من أن المحاكم الوطنية عادة ما تسعى لإيجاد توازن بين حقوق الأفراد المكفولة دولياً وحق الدولة السيادي في ضبط أرقام الهجرة.
آفاق الطعن أمام المحكمة الدستورية النمساوية
تُشير القراءات القانونية المتعمقة إلى أن التعديلات الأخيرة تمتلك ثغرات قابلة للطعن أمام المحكمة الدستورية النمساوية (VfGH). وتتركز أبرز هذه الثغرات في إخضاع الحق الدستوري في الحياة العائلية لنظام “حصص” رقمي صارم؛ فإذا أدى نفاد الكوتا إلى فترات انتظار طويلة وغير محددة رغم استيفاء مقدم الطلب لكافة الشروط المادية، قد تُكيف المحكمة ذلك كانتهاك جسيم غير متناسب للحقوق.
كما يقف “مبدأ المساواة” (Gleichheitsgrundsatz) كمحور أساسي لأي طعن محتمل. فرغم دستورية التفرقة بين فئة اللاجئ وصاحب الحماية الفرعية، إلا أن تكبيل الأخير بشروط تراكمية قاسية (سنتان انتظار، سكن، دخل مستدام، ونظام حصص) قد يُصنف كعبء غير متناسب (Unverhältnismäßig) يفرغ الحق الأساسي من مضمونه الفعلي. ويمثل غياب آليات استثنائية مرنة ضمن نص المادة 46a للتعامل مع “الحالات الإنسانية القاسية جداً” نقطة ضعف تشريعية قد تعرض القانون لإبطال جزئي أو تعديل إلزامي لضمان مواءمته مع التزامات النمسا الحقوقية.