البروفيسور عدنان أصلان: مواجهة الإسلام السياسي في النمسا لحماية المسلمين من الذي يتاجر بهم وليست حرباً عليهم

النمسا ميـديـا – فيينا:

شدد أستاذ التربية الدينية الإسلامية في جامعة فيينا، البروفيسور Ednan Aslan، في مقال رأي نُشر في العاصمة النمساوية فيينا، على أن مواجهة “الإسلام السياسي” لا تُعد بأي حال من الأحوال حرباً ضد المسلمين، بل هي ضرورة ملحة تصب في مصلحة الجالية المسلمة نفسها لحمايتها وتحديد أطر واضحة للعمل الديني. وجاء مقال Ednan Aslan كَرَدٍّ أكاديمي وتحليلي مفصل على مقال سابق لأحد زملائه الأكاديميين حاول فيه التشكيك بجدوى المصطلح، مؤكداً أن مفهوم الإسلام السياسي ومظاهره يمثلان واقعاً بحثياً وتاريخياً ممتداً في الدول الإسلامية وأوروبا، وموجهاً في الوقت ذاته أسئلة صريحة وحرجة إلى الهيئة الإسلامية في النمسا IGGÖ بشأن مدى نفوذ هذه الشبكات داخل البنى التعليمية والدينية في البلاد.

دحض الادعاءات الأكاديمية وواقعية المصطلح

رفض Ednan Aslan بشكل قاطع الطرح الذي قدمه زميله الأكاديمي في مقال نُشر بتاريخ 4 سبتمبر 2026، والذي ادعى فيه أن الجدل الدائر حول مفهوم “الإسلام السياسي” ناتج عن “المال” وأن المصطلح نفسه غير صالح للاستخدام العلمي. وأوضح Ednan Aslan أن هذا التقييم لا يستند إلى واقع سياسي أو سند علمي، مشيراً إلى أن العلاقة بين الإسلام والنظام السياسي تشكل جزءاً أصيلاً من تاريخ الفكر الإسلامي منذ الخلاف حول خلافة النبي محمد، وتُناقش بشدة في شكلها الحديث منذ أكثر من قرن. وأضاف أن “الإسلام السياسي” أو “الإسلاموية” والفكر السياسي الإسلامي أصبحت اليوم مجالات قائمة بذاتها للبحث والتدريس في العديد من الجامعات داخل الدول ذات الأغلبية المسلمة، مثل تركيا، ومصر، والأردن، وقطر، والمملكة العربية السعودية، وإندونيسيا. وبناءً على ذلك، فإن الادعاء بعدم صلاحية المصطلح علمياً يغفل حجماً هائلاً من الأبحاث والنقاشات الداخلية في العالم الإسلامي.

الجذور التاريخية وأوهام “الدولة الإسلامية”

وأكد Ednan Aslan أن المصطلح لم ينشأ إطلاقاً كمفهوم أوروبي للهجوم على الإسلام، بل يعبر عن سجالات سياسية وأيديولوجية دارت وتدور في المقام الأول داخل المجتمعات المسلمة ذاتها. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، قدمت الحركات الإسلاموية وعداً بإقامة نظام سياسي قائم على أسباب دينية كبديل للنماذج المجتمعية العلمانية أو الديمقراطية، حيث تم مراراً وتكراراً ترويج فكرة “الدولة الإسلامية” المثالية كحل لجميع المشاكل الاجتماعية والسياسية. غير أن التجارب التاريخية أثبتت فشل هذه التصورات في أحيان كثيرة، ومساهمتها في زيادة الاستقطاب والتطرف والعنف. وأشار إلى أن استمرار الأيديولوجيات الإسلاموية يعود لأسباب مؤسسية، حيث تشكلت عبر عقود شبكات ومؤسسات ومراكز تعليمية ووسائل إعلام وبنى اقتصادية تعمل على نقل هذه الأفكار واستمرارها، مما يجعل الفشل السياسي لا يؤدي تلقائياً إلى اختفاء الأيديولوجيا أو المنظمات القائمة عليها.

امتداد النشاط إلى أوروبا وتجارب الدول العربية والبلكان

وأوضح البروفيسور Ednan Aslan أن جزءاً من هذا الصراع انتقل منذ عدة عقود إلى أوروبا، حيث فتحت حركة الهجرة آفاقاً ومساحات مجتمعية جديدة أمام الحركات الإسلاموية لاستهداف فئات جديدة، ولا سيما الأجيال الشابة التي لم تعايش التجارب التاريخية لتلك الحركات في بلدانها الأصلية، مما جعلها أكثر عرضة للتأثر بفكرة “النظام الإسلامي المثالي”. ولفت إلى أن مدينة لندن أصبحت مقراً هاماً لفاعلين مرتبطين بـ Muslimbruderschaft، بينما طوّرت منظمة Milli Görüş بنى مؤسسية قوية في ألمانيا. وأكد أن هذه القضية ليست اختراعاً أوروبياً، مستشهداً ببروز نفوذ التيار المتطرف في منطقة البلكان بعد حرب البوسنة والهرسك، مما دفع الهيئة الإسلامية في البوسنة والهرسك للتحرك بنفسها ضد الجماعات الموازية Parajamaats، إلى جانب تحركات السلطات في كوسوفو وألبانيا، بالإضافة إلى الحظر والقيود الصارمة المطبقة على هذه المنظمات في العديد من الدول العربية.

أسئلة مسؤولة وحرجة موجهة إلى IGGÖ في النمسا

وفيما يتعلق بالوضع في النمسا، شدد Ednan Aslan على أن المركز القانوني للإسلام والتطور المؤسسي للمنظمات المسلمة أوجدا ظروفاً تتطلب فحصاً ودراسة دقيقة، خاصة بعد أن تحولت الأفكار إلى بنى وشبكات متجذرة على مدى عقود. وحمّل Ednan Aslan الهيئة الإسلامية في النمسا IGGÖ المسؤولية الكبرى لمواجهة هذه الظاهرة، موجهاً إليها جملة من الأسئلة الصريحة والحرجة: هل تعلم IGGÖ ما هي الجمعيات والمجتمعات الدينية الخاضعة لنفوذ شبكات الإسلام السياسي؟ وهل تعرف علاقاتها المؤسسية وهياكل تمويلها؟ وهل تعلم ما إذا كان بعض المفتشين المتخصصين في تعليم الدين الإسلامي ينشطون في الوقت نفسه داخل منظمات أو شبكات تابعة للإسلام السياسي؟ وفي حال وجود مؤشرات على ذلك، كيف تفحص IGGÖ تضارب المصالح بين المراقبة التربوية والأنشطة السياسية والأيديولوجية؟ وهل تعرف IGGÖ المدارس التي يعمل بها معلمو دين مرتبطون بتلك التنظيمات، وما هي القرارات والنتائج التي اتخذتها بناءً على ذلك؟

المواجهة حماية للمسلمين وليست حرباً عليهم

واختتم Ednan Aslan مقاله بالتأكيد على أنه يجب السماح بطرح هذه الأسئلة بكل شفافية، مشيراً إلى أنه لا ينبغي لهيئة دينية معترف بها قانوناً أن تنتظر الضغوط السياسية أو الشعبية لتتحرك، بل يجب أن تنطلق من مسؤوليتها الذاتية لتحقيق الشفافية ووضع حدود واضحة. وأكد أن اتخاذ IGGÖ لهذه الخطوات الجريئة من شأنه أن يثبت للجميع أن مواجهة الإسلام السياسي ليست حرباً على المسلمين، بل هي خطوة ضرورية وحماية حقيقية تصب في مصلحة الجالية المسلمة نفسها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى