في موجة جفاف تاريخية تضرب النمسا.. انخفاض مناسيب البحيرات وتراجع حاد بمستويات الأنهار

النمسا ميـديـا – بورغنلاند:

تسببت موجات الحر الشديدة والجفاف المتواصل خلال الأسابيع الأخيرة من صيف عام 2026 في هبوط حاد وغير مسبوق لمنتصف شهر أغسطس في مناسيب مياه البحيرات والأنهار في مختلف الولايات النمساوية، حيث سجلت بحيرة بودنزي أدنى مستوى لها لليوم الخامس من أغسطس منذ بدء القياسات عام 1864، بينما انخفضت بحيرة فولفغانغ إلى أدنى مستوى لها منذ 30 عاماً، وتراجعت بحيرة نويزيدل إلى مستويات حادة تقترب من الأرقام القياسية المسجلة عام 2022، مما بات يهدد الملاحة البحرية المحلية والنظام البيئي المائي والأنشطة السياحية في البلاد.

انخفاض قياسي في بحيرة بودنزي ومستويات حرجة في نويزيدل

تعيش بحيرة نويزيدل في ولاية بورغنلاند وضعاً حرجاً ضمن نطاق المياه المنخفضة نتيجة موجة الجفاف المستمرة، حيث بلغ مستوى سطح المياه يوم الأربعاء 115.09 متراً فوق مستوى سطح البحر، وهو ما يزيد بفارق 12 سنتيمتراً فقط عن أدنى مستوى قاعي تم تسجيله في عام 2022 منذ بدء التوثيق عام 1965. وعلى الرغم من أن حركة الملاحة الرياضية والسياحية وسياحة السباحة لا تزال ممكنة حتى اللحظة، وأن الوضع البيئي للأسماك لم يصل بعد إلى المرحلة الكارثية، يظل الرهان قائماً حول ما إذا كانت انخفاضات الحرارة المتوقعة مع نهاية الأسبوع ستحمل معها الأمطار المطلوبة.

وفي ولاية فورارلبرغ، واصل منسوب بحيرة بودنزي تراجعه ليعبر حاجز 291 سنتيمتراً، مسجلاً بذلك أدنى مستوى مائي لمثل هذا اليوم (5 أغسطس) منذ انطلاق عمليات القياس الرسمية عام 1864، متجاوزاً الرقم الأدنى السابق البالغ 306 سنتيمترات. وبذلك يتراجع منسوب البحيرة بأكثر من متر كامل عن المتوسط العام طويل الأجل (411 سنتيمتراً)، ليكون أقل من أي مستوى سُجل على مدار يومي خلال عامي 2024 و2025، علماً بأن المستوى الأدنى المطلق تاريخياً يبلغ 231 سنتيمتراً والمُسجل في 15 فبراير 2006.

ورغم عدم تخوف شركات الملاحة التجارية في بودنزي من إنهاء موسمها مبكراً، إلا أن أصحاب يخوت الشراع والأنشطة الترفيهية قد يواجهون نهاية مبكرة لموسمهم بحلول منتصف أغسطس بدلاً من نهاية أكتوبر المعتادة، حيث جرى بالفعل سحب عدد من اليخوت خارج المياه تجنباً للجنوح. ويشكل هذا الانخفاض الحاد ضغطاً هائلاً على النظام البيئي المائي والثروة النباتية والحيوانية. ولرفع منسوب بحيرة بودنزي سنتيمتراً واحداً فقط، يلزم ضخ 5.4 مليون متر مكعب من المياه (ما يعادل 36 مليون حوض استحمام سعة 150 ليتراً)، حيث يعتمد ملء البحيرة أساساً على نهر الراين الألبي الذي يعاني هو الآخر من انخفاض حاد في تدفقاته.

استمرار انخفاض المناسيب في كارنتن وشح الأمطار

في ولاية كارنتن، وصلت مناسيب المياه في معظم البحيرات الكبرى إلى نطاق المنخفض باستثناء حالات قليلة، واستمر هذا التراجع لفترة زمنية طويلة لافتة للأنظار، وفقاً لما صرحت به Elisabeth Gutschi من دائرة الهيدروغرافيا التابعة لحكومة ولاية كارنتن. وأوضحت أن بحيرتي وايسنسي وويرثرسي تخضعان لتنظيم اصطناعي يحد من التقلبات الحادة، بينما يظهر التراجع بوضوح في ثالث أكبر بحيرات الولاية، وهي بحيرة أوسيacher See بالقرب من فيلاخ، رغم أن مستواها الحالي ليس الأدنى تاريخياً إذ شهدت مستويات مماثلة عام 2022، ومستويات أدنى بسنتيمترات قليلة خلال عامي 2007 و2008.

كما تسجل بحيرة لنغسي في قضاء Sankt Veit an der Glan مستويات منخفضة للغاية منذ أسابيع عدة، حيث يقل المنسوب بسنتيمترات عن الحد الأدنى للمتوسط اليومي المسجل خلال الثلاثين عاماً الماضية. وبشكل عام، سجلت ولاية كارنتن منذ الأول من يناير 2026 عجزاً في الهطولات المطرية السنوية بنسبة تصل إلى 24% مقارنة بمتوسط العقود الثلاثة الماضية، وهو ما انعكس بوضوح على أنهار الولاية، ولا سيما نهر لافانت في شرق كارنتن الذي وصل إلى مستويات شحيحة للغاية.

بحيرة فولفغانغ تسجل أدنى مستوى منذ ثلاثين عاماً

تعاني بحيرات ولاية سالزبورغ بدورها من نقص حاد في المياه، حيث أكد رئيس دائرة الهيدروغرافيا في ولاية سالزبورغ، Harald Huemer، أن مناسيب المياه خلال الصيف تعتبر منخفضة إلى منخفضة جداً وتخرج عن النطاق المعتاد لهذه الفترة من السنة. وأشار إلى أنه رغم عدم الوصول بعد إلى أدنى مستويات تسجيلية متوقعة عادة في الربيع والخريف، إلا أن بحيرة فولفغانغ سجلت أدنى منسوب لها منذ 30 عاماً، مما أثر سلباً على حركة السفن السياحية والجولات البحرية منذ الأسبوع الماضي.

وأوضح Harald Huemer أن التأثير الأكبر يتركز في بحيرات منطقة التلال ألب فورلاند، بينما تسجل بحيرة تسيل المائية نقصاً أقل حدة بفضل موقعها الجبلي الذي شهد جفافاً أقل مقارنة بالمناطق المركزية. وأضاف أن البحيرات تستجيب بسرعة للهطولات المطرية؛ فبينما يمتص التراب الجاف الهطولات الخفيفة، فإن كميات مطرية بين 30 إلى 50 ملم قادرة على رفع المناسيب سريعاً، مستدركاً بأن التعافي المستدام يتطلب كميات مطرية أكبر بكثير.

غياب البيانات التاريخية في شتايرمارك وتأثر إنتاج الكهرباء

في ولاية شتايرمارك، كشف رئيس الخدمة الهيدروغرافية Robert Schatzl عن غياب بيانات علمية طويلة الأمد لمراقبة مناسيب بحيرات الولاية، حيث اقتصر القياس في أكبر بحيرتين (غروندل سي وألتاوسي) على العامين الأخيرين فقط، مما يحول دون إجراء مقارنات تاريخية. ومع ذلك، تؤكد البيانات أن جميع أنهار شتايرمارك تعاني من جفاف وانخفاض حاد في منسوبها.

ويؤثر هذا الانخفاض المائي بشكل مباشر وجسيم على إنتاج الطاقة الكهربائية؛ إذ تسببت المناسيب المنخفضة في أنهار مثل راب وفايستريتس وسولم في تراجع حاد ومستمر منذ أسابيع في إنتاج محطات توليد الكهرباء الكهرومائية الصغرى، ويعود ذلك جزئياً أيضاً إلى قلة التراكمات الثلجية خلال فصل الشتاء الماضي.

ذوبان الجليد في النمسا العليا وجفاف بحيرة نوسينسي

في ولاية النمسا السفلى، يتواجد منسوب أكبر بحيرة طبيعية، وهي بحيرة لونزر سي، عند مستويات تقل عن المتوسط العام مسجلة 187 سنتيمتراً. أما في ولاية النمسا العليا، فتسجل بحيرتا تراونسي وهالشتات ارتفاعاً طفيفاً في مناسيبهما، ويعود السبب في ذلك حصرياً إلى تغذيتهما من الأنهار الجليدية التي تفقد كميات هائلة من كتلتها الجليدية حالياً.

في المقابل، تعتمد بحيرتا أترسي وموندسي على الروافد المائية المحلية، مما أدى إلى انخفاض حاد في مستوياتهما، حيث شهدت بحيرة أترسي خلال شهري يوليو وأغسطس أدنى منسوب لها على الإطلاق لهذا الوقت من العام. وفي حادثة لافتة ببحيرة نوسينسي قرب باد إيشل، أدى هبوط مستوى المياه بمقدار 5 أمتار إلى كشف الذخائر والمتفجرات المتبقية من الحرب العالمية الثانية، مما استدعى إغلاق البحيرة مؤقتاً لغرض التطهير وإزالة الخطر.

تقرير الهيدروغرافيا لعام 2026 يحذر من تفاقم أزمة الجفاف

أفاد التقرير الشهري الصادر عن دائرة الهيدروغرافيا النمساوية بعنوان “الميزانية المائية في النمسا” بأن شهر يوليو 2026 شهد درجات حرارة مرتفعة وجفافاً استثنائياً، حيث ارتفعت درجات الحرارة بمقدار 2.0 درجة مئوية مقارنة بالمعدل المناخي للفترة (1991-2020)، مع تسجيل عجز في الهطولات المطرية على مستوى البلاد بنسبة 53%، مما أدى إلى تفاقم الأزمة المائية بشكل ملحوظ.

وأوضح التقرير أن معدلات تصريف المياه في حوالي 95% من محطات القياس كانت أقل من المتوسطات الشهرية طويلة الأجل، مع تسجيل تدفقات منخفضة للغاية في 90% منها. كما أظهرت البيانات أن ما يقارب 90% من نقاط قياس المياه الجوفية في النمسا سجلت مستويات منخفضة أو منخفضة جداً بنهاية يوليو (مقارنة بـ 80% في يونيو)، وكان هذا التراجع حاداً بشكل خاص في ولاية تيرول التي شهدت ارتفاعاً كبيراً في عدد المحطات ذات المستويات الجوفية المتدنية جداً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى