القراءة الرقمية والذكاء الاصطناعي.. عوامل تشكّل أزمة المهارات التعليمية في المدارس النمساوية

النمسا ميديا – فيينا:
أظهرت نتائج تقرير تقييم الطلاب الدوليين (PISA-Studie) الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) تراجعاً غير مسبوق في المهارات القرائية والرياضيات على مستوى دول المنظمة وفي النمسا، باستثناء العلوم الطبيعية. وأرجع المعهد الفيدرالي لضمان الجودة في نظام التعليم النمساوي (IQS) هذا التدهور إلى تضافر اتجاهات هيكلية طويلة الأمد تتراوح بين قصر مدى الانتباه، وتغير نمط استخدام وسائل الإعلام والذكاء الاصطناعي، والآثار الممتدة لجائحة كورونا، إلى جانب استمرار تأثير الخلفية الاجتماعية والهروب من النصوص الطويلة بين الطلاب البالغين من العمر 15 و16 عاماً في المدارس النمساوية.
العوامل الهيكلية وتأثير خلفية الطلاب الاجتماعية أوضح المعهد الفيدرالي لضمان الجودة في نظام التعليم النمساوي (IQS)، المسؤول عن تنفيذ اختبارات (PISA-Studie) في النمسا، أن السبب لا يعود لحدث مفصلي واحد بل لتضافر اتجاهات هيكلية طويلة الأمد. وتتعدد هذه العوامل لتشمل قصر مدى الانتباه لدى الطلاب، وتغير طرق استخدام وسائل الإعلام، بالإضافة إلى الظروف الاجتماعية؛ حيث ما تزال النمسا من بين الدول التي تلعب فيها الخلفية الاجتماعية دوراً حاسماً ومباشراً في المسار التعليمي وتباين مستويات الأداء بين الشباب. وأشار (IQS) إلى أن الصعوبة الكبرى لدى الطلاب تجسدت في مهام الاختبار التي تتطلب “قدرة أكبر على التحمل” والتعامل مع نصوص طويلة، فضلاً عن التغيرات في العادات القرائية والاعتماد المفرط على الوسائط الرقمية، وتأثيرات جائحة كورونا طويلة الأجل التي غيّرت السياق الاجتماعي بشكل مستديم.
انتشار واسع لتقنيات الذكاء الاصطناعي بين الطلاب بينت النتائج أن نسبة القراءة السريعة وغير الدقيقة بين الطلاب الذين تبلغ أعمارهم 15 و16 عاماً تضاعفت تقريباً بين عامي 2018 و2025 لتصل إلى تسعة بالمئة. ووفقاً لتشخيص (OECD)، رافق هذا التراجع في القرائية انخفاض في المهارات الجوهرية لفرز المعلومات في عصر الذكاء الاصطناعي، مثل تقييم صحة البيانات، والربط بين المصادر المختلفة، والتفكير النقدي لما يتم قراءته. وقد جرى اختبار 760,000 طالب وطالبة في 91 دولة ضمن دورة (PISA 2025)، شارك منها في النمسا حوالي 7,000 طالب وطالبة ينتمون إلى 256 مدرسة. وأظهر التقرير أن استخدام الذكاء الاصطناعي بات شائعاً بشكل واسع، حيث يستعين نحو نصف الطلاب البالغين 15 أو 16 عاماً في دول (OECD) بروبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي أسبوعياً أو أكثر كأداة مساعدة في التعلم. وأكدت الدراسة أن أثر الذكاء الاصطناعي على الأداء الأكاديمي يعتمد على طبيعة المهام المطلوبة؛ إذ حقق الطلاب الذين استخدموا الذكاء الاصطناعي في تلخيص النصوص وإعداد المسودات نتائج أقل في العلوم الطبيعية مقارنة بأقرانهم الذين لم يستخدموه، بينما حقق الطلاب الذين استغلوه بشكل عام لتطوير مهاراتهم وقدراتهم التعلمية نتائج أفضل. وبناءً عليه، أوصت (OECD) باستعمال الذكاء الاصطناعي والأدوات الرقمية لأهداف محددة وباعتدال، مشيرة إلى أن الطلاب الذين استخدموا الأجهزة الرقمية في المدرسة بشكل مفرط ولغرض التسلية سجلوا أداءً أضعف بشكل عام.
تراجع أداء الطلاب من خلفيات مهاجرة وتقليص الفجوة بين الجنسين تظهر في النمسا الفوارق الأكاديمية الكبيرة ليس فقط بين الطلاب من خلفيات اجتماعية واقتصادية مختلفة، بل تمتد أيضاً لتشمل تراجعاً حاداً لدى الطلاب من خلفيات مهاجرة، حيث بلغت الفجوة بينهم وبين أقرانهم النمساويين من غير المهاجرين في مادة العلوم الطبيعية ما يعادل أكثر من ثلاث سنوات دراسية. ويعود السبب الرئيسي إلى أن ما يقارب نصف الطلاب من خلفيات مهاجرة ينتمون إلى عائلات غير متعلمة أو ذات مستوى تعليمي محدود، مقارنة بثلث الطلاب فقط في المتوسط العام لدول (OECD). ورغم تراجع الفوارق القائمة على الخلفية الاقتصادية والاجتماعية في المتوسط العام لدول (OECD)، إلا أن المنظمة أوضحت أن ذلك لم يكن نتيجة تحسن أداء الطلاب الأقل حظاً، بل بسبب تراجع أداء الطلاب القادمين من عائلات متعلمة. وعلى الصعيد المحلي في النمسا، تلاشت تقريباً الفجوة بين الجنسين في مجال العلوم الطبيعية؛ فبعد أن كانت النمسا في عام 2015 الدولة ذات الفارق الأكبر لصالح الذكور في هذا المجال، بات أداء الإناث والذكور متساوياً تقريباً اليوم. وفي المقابل، استمرت الفوارق بين الجنسين في مادة الرياضيات لصالح الذكور بفارق يعادل سنة دراسية واحدة، بينما تتفوق الإناث في مهارات القراءة بـ سنة دراسية واحدة تقريباً.
الدول الآسيوية في الصدارة وموقع النمسا عالمياً تماشياً مع الاتجاه العام المنخفض في كافة دول (OECD)، سجلت النمسا تراجعاً ملحوظاً في القراءة والرياضيات. وحصلت النمسا في اختبار القراءة على 467 نقطة، لتحل خلف تركيا (472 نقطة) ومتقدمة بفارق بسيط على ألمانيا (465 نقطة). وتكرر المنظر نفسه في الرياضيات؛ إذ حقق الطلاب النمساويون 477 نقطة، وهو أعلى من متوسط (OECD) البالغ 463 نقطة، لكنه يمثل انخفاضاً بمقدار عشر نقاط مقارنة باختبار عام 2022 (توازي 20 نقطة ما يعادل سنة دراسية كاملة). في المقابل، شهدت النمسا منحنى صاعداً وإيجابياً في العلوم الطبيعية. وعلى المستوى الدولي، تصدرت كوريا الجنوبية واليابان قائمة دول (OECD). وفي أوروبا، حققت أيرلندا أفضل النتائج في القراءة، بينما تصدرت إستونيا مجالات العلوم الطبيعية والرياضيات والتعليم في العالم الرقمي. أما النتائج المطلقة والأعلى عالمياً، فقد كانت من نصيب المقاطعات الصينية الأربع التي تم تقييمها بشكل منفصل (بكين، شانغهاي، جيانغسو، وجيجيانغ) إلى جانب سنغافورة.
تفاعلات وتصريحات السياسيين والأوساط الاقتصادية وصف وزير التعليم Christoph Wiederkehr من حزب (NEOS) النتائج بأنها تتضمن “نقاط ضوء وظلالاً”، مشيراً إلى أن النمسا تظل في “المقدمة الدولية”، إلا أن تراجع المهارات في القراءة والرياضيات يمثل “تطورات مثيرة للقلق نراها على مستوى العالم”. وأكد الحاجة الملحة للعمل على تقليل اعتماد الأداء على الخلفية الاجتماعية، لافتاً إلى اتخاذ خطوات فعالة عبر توسيع نطاق المدرسة الصيفية وبرنامج “Chancenbonus”. وأضاف Christoph Wiederkehr أنه يجب أن يتم التحول الرقمي “في مرحلة لاحقة وبشكل أفضل”، مشدداً على وجود علاقة بين التعرض المبكر للشاشات وانخفاض نتائج التعلم، وموضحاً أن “الرقمنة غير الموجهة في المدارس تؤدي إلى نتائج أسوأ، فالاستخدام المبكر والطويل للأجهزة الرقمية قد يعزز مهارات التصفح، لكنه يضعف فهم النصوص المعقدة”.
من جهته، أكد المتحدث باسم الشؤون التعليمية في حزب (SPÖ) Heinrich Himmer على أهمية برنامج “Chancenbonus” الجديد لتحقيق العدالة التعليمية. وفي المقابل، وجه المتحدث باسم الشؤون التعليمية في حزب (FPÖ) Hermann Brückl انتقادات حادة قائلاً: “عندما تصبح النمسا خلف تركيا في القراءة، فهذا يعني أن الوقت قد فات”، مطالباً بإجراءات سريعة ومبدياً رفضه الشديد لإلغاء صفوف دعم اللغة الألمانية الإلزامية. كما اعتبرت المتحدثة باسم حزب الخضر (Die Grünen) Sigrid Maurer النتائج بمثابة “تكليف مباشر للحكومة الفدرالية”، مؤكدة أن “التراجع في نظامنا التعليمي مستمر بلا انقطاع”، ومطالبة بالتوسع الإجباري في تعليم مرحلة الطفولة المبكرة وزيادة أعداد الأخصائيين الاجتماعيين بالمدارس، مع إشراك أولياء الأمور بشكل أكبر. وعلى صعيد الهيئات الاقتصادية، وصف الأمين العام لاتحاد الصناعات (IV) Christoph Neumayr التراجع في الرياضيات بأنه “يبعث على القلق”، بينما رأت غرف التجارة والصناعة (WKO) في النتائج دعوة لتطبيق التزام التعليم وتوفير الدعم المبكر، مؤكدة أن الشركات توفر بيئة تدريبية قوية لكنها لا تستطيع تعويض نقص تسع سنوات دراسية. فيما حذرت غرفة العمل (AK) من وضع “إنذاري” بعدما تبين أن أكثر من ربع الطلاب في القراءة والرياضيات يقعون ضمن دائرة الخطر ولا يستوعبون النصوص البسيطة مع نهاية فترة التعليم الإلزامي.



