البرلمان النمساوي يقر تشريعات حاسمة لمكافحة غسيل الأموال وتأمين الشفافية المالية

النمسا ميـديـا – فيينا:
أقر المجلس الوطني النمساوي (Nationalrat)، اليوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026 في العاصمة النمساوية فيينا، حزمة تدابير تشريعية جديدة لتعزيز الوقاية من غسيل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وفق التوجيهات الأوروبية الحديثة، إلى جانب الموافقة على قانون يهدف إلى تعزيز استقلالية هيئة رقابة الأسواق المالية (FMA). كما اعتمد المجلس اتفاقيات دولية لتحديث منع الازدواج الضريبي وتعديل قانون المساهمات المالية للمؤسسات الدولية (IFI-Beitragsgesetz 2026) بمبلغ إجمالي قدره 171.3 مليون يورو، وسط تباين في مواقف الأحزاب البرلمانية بين مؤيد لمزيد من الشفافية والاستقرار الاقتصادي ومتحفظ على بعض الآليات التنفيذية.
معايير أوروبية جديدة لمكافحة غسيل الأموال وسجل المالكين الاقتصاديين
تستهدف القرارات الجديدة التطبيق الوطني للتوجيه السادس للاتحاد الأوروبي لمكافحة غسيل الأموال ولائحة غسيل الأموال الأوروبية، بهدف رفع الشفافية وتوسيع صلاحيات الرقابة. وأوضح النائب النمساوي Maximilian Linder (FPÖ) أنه من المقرر إصدار “قانون سجل المالكين الاقتصاديين” (Wirtschaftliche Eigentümer Registergesetz) الجديد في شهر يوليو من العام المقبل، بما يتيح الاطلاع على سجل المالكين الاقتصاديين للشركات والمؤسسات والصناديق الاستئمانية بناءً على المصلحة المشروعة وفق المعايير الأوروبية المحدثة.
ويتضمن التشريع تقليص مدة البت في طلبات الاطلاع لتصل إلى 12 يوم عمل، مع منح قرارات الاطلاع نفاذاً وسرياناً على مستوى جميع دول الاتحاد الأوروبي. كما تقرر توسيع نطاق صلاحيات سلطة السجل لإجراء التفتيش الميداني والمباشر، مع الاستعانة ببروتوكولات وخبرات مكتب مكافحة الاحتيال (الشرطة المالية النمساوية). وحظيت هذه المقترحات بموافقة أحزاب ÖVP وSPÖ وNEOS وFPÖ.
في المقابل، صوّت حزب الخضر ضد القانون، حيث اعتبر النائب النمساوي Jakob Schwarz (Grüne) أن الإجراءات غير كافية لكشف الجرائم، مطالباً بتسهيل وصول الصحفيين إلى البيانات، وتخفيض الرسوم، وربط السجل بالسجل العقاري (Grundbuch). ومن جهته، أبدى النائب Maximilian Linder (FPÖ) تحكفظ حزبه على نقل عبء الإثبات وآليات التفتيش الميداني لما تسببه من وضع أصحاب الأعمال تحت دائرة الشبهة العامة، رغم تصويت حزبه لصالح القانون في النهاية.
وأكدت أمانة الدولة النمساوية عبر Barbara Eibinger-Miedl أن الشفافية ومكافحة الشركات الصورية توفر بيئة منافسة عادلة للشركات النمساوية الملتزمة. وأضاف النائب النمساوي Kurt Egger (ÖVP) أن حظر إخفاء الأموال غير المشروعة خلف شبكات معقدة من الشركات يقتضي الشفافية والرقابة المستهدفة. ودعم هذا التوجه كل من النائب النمساوي Manfred Sams والنائبة النمساوية Selma Yildirim (SPÖ)، مشيرين إلى سرعة تطور الهياكل المالية، بينما أشاد النائب النمساوي Christoph Pramhofer (NEOS) بالحفاظ على كفاءة النموذج النمساوي وعدم إرهاق المواطنين بتقديم البيانات مكررة.
تعزيز استقلالية هيئة رقابة الأسواق المالية (FMA) وإدارة مخاطر ESG
صوّتت أحزاب الائتلاف الحاكم لصالح مشروع قانون يهدف إلى تعزيز استقلالية هيئة رقابة الأسواق المالية (FMA). وأوضحت النائبة النمساوية Barbara Teiber (SPÖ) أن القانون يفرض “فترات تهدئة” (Abkühlungsphasen) وإعادة تنظيم لتضارب المصالح لتقييد انتقال أعضاء مجلس الإدارة والموظفين إلى الشركات الخاضعة للرقابة، إلى جانب توحيد أطر التقييم الأوروبية لمدراء البنوك.
ويُلزم التعديل الجديد البنوك والمؤسسات الائتمانية بإدارة ومواجهة المخاطر المتعلقة بالبيئة والمجتمع والحوكمة المؤسسية (“ESG-Risiken”) بشكل منتظم. وأوضحت Barbara Eibinger-Miedl أن التعديلات تشمل أيضاً تنظيم الأصول المشفرة ونماذج الأعمال الحديثة مع الحفاظ على التوازن بين الرقابة وتجنب التعقيدات البيروقراطية.
ورفض حزب الحرية النمساوي (FPÖ) هذا التعديل، حيث انتقدت النائبة النمساوية Barbara Kolm (FPÖ) والنائب النمساوي Alexander Petschnig (FPÖ) استخدام قوانين الرقابة الماليّة لتمرير أجندات وسياسات مناخية وتوجيه الائتمان نحو مشاريع معينة. كما صوّت حزب الخضر ضد القانون أيضاً، حيث أرجع النائب Jakob Schwarz (Grüne) الرفض إلى التحفظات الشديدة على تفاصيل فترات التهدئة ورفع المكافآت، رغم ترحيبه بالاعتراف بمخاطر “ESG”.
ومن جانبه، اعتبر النائب النمساوي Kai Jan Krainer (SPÖ) أن التشريع يعزز الاستقرار المالي ويمنع تحول البنوك إلى خطر على المجتمع، بينما أكد النائب النمساوي Andreas Ottenschläger والنائبة النمساوية Angela Baumgartner (ÖVP) أن الرقابة المستقلة والواضحة تضمن أمان الودائع واستقرار القطاع المصرفي. ولفت النائب Christoph Pramhofer (NEOS) إلى أهمية الالتزام بالتوجيه الأوروبي دون إضافة أعباء بيروقراطية زائدة (Gold Plating).
تحديث اتفاقيات منع الازدواج الضريبي الدولية
وافقت كافة الكتل البرلمانية بالإجماع على تحديث اتفاقيات منع الازدواج الضريبي مع كل من السويسرا ودولة قطر، وإبرام اتفاقية جديدة مع إمارة أندورا، إلى جانب تعديل الإعلان الدولي المتعلق بالمساعدة المتبادلة في الشؤون الضريبية لدعم تبادل المعلومات الخاص بالضريبة العالمية الأدنى (Global Minimum Tax).
وأوضح النائب النمساوي Maximilian Köllner (SPÖ) أن التعديلات تهدف إلى سد الثغرات الضريبية الدولية وضمان فرض ضريبة لا تقل عن 15% على الشركات متعددة الجنسيات. وأكد النائب Andreas Ottenschläger (ÖVP) أن هذه المعايير تخلق بيئة منافسة عادلة وتوفر اليقين القانوني. وفي حين وصف النائب Jakob Schwarz (Grüne) الحد الأدنى للضريبة بـ “المحطة التاريخية”، طالب بحراك أكثر فاعلية لإقرار ضريبة رقمية أوروبية على شركات التكنولوجيا الكبرى. وأشادت أمانة الدولة Barbara Eibinger-Miedl بالتوافق البرلماني وأهميته للقطاع التصديري النمساوي.
المساهمات المالية النمساوية للمؤسسات الدولية لعام 2026
أقر المجلس الوطني بأغلبية أحزاب ÖVP وSPÖ وNEOS وGrüne قانون المساهمات الدولية (IFI-Beitragsgesetz 2026)، والذي توفر النمسا بموجبه 171.3 مليون يورو لدعم الصناديق التنموية، بما في ذلك زيادة رأس مال البنك الأفريقي للتنمية (AfEB)، وإعادة تغذية المؤسسة الدولية للتنمية (IDA)، وصندوق التنمية الآسيوي (AsEF).
ورفض حزب الحرية (FPÖ) القانون، حيث أرجع النائب النمساوي Manuel Litzke (FPÖ) ذلك إلى عدم جدوى هذه الأموال، مطالباً بربط المساعدات التنموية مدى تعاون الدول المستقبلة في ملف الهجرة وإعادة اللاجئين.
ورداً على ذلك، شدد النائب النمساوي Christian Oxonitsch (SPÖ) والنائب النمساوي Klaus Lindinger (ÖVP) على أن هذه المساهمات تمثل استثماراً في الاستقرار والأمن والتعليم لمواجهة الأزمات من جذورها. وأكد النائب النمساوي Markus Hofer (NEOS) أن النمسا شريك دولي موثوق، بينما انتقد النائب النمساوي David Stögmüller (Grüne) الاقتطاعات المالية الأخيرة في ميزانية التعاون التنموي الحكومي، مشيراً إلى أن حل الأزمات يتطلب التزاماً مستداماً.