خسائر الجفاف تتجاوز مليار يورو.. مطالبات بإنقاذ المزارعين وتأجيل أقساط القروض في النمسا
النمسا ميـديـا – فيينا:
تشهد العاصمة النمساوية فيينا تجاذباً سياسياً وحراكاً حكومياً مكثفاً حول إقرار حزمة مساعدات مالية عاجلة للقطاع الزراعي، عقب كشف شركة التأمين ضد البرد والجفاف النمساوية عن أضرار تاريخية تجاوزت ملياري يورو جراء موجة الحر والشح المائي القاسية؛ وفيما يدفع وزير الزراعة النمساوي Norbert Totschnig لتوفير دعم شامل وسريع يغطي جميع المزارعين والمربين المتضررين، تتمسك وزارة المالية بضرورة ضبط الميزانية العامة وتجنب سياسات الإنفاق غير المحدود، وسط مطالب اقتصادية وسياسية متصاعدة بالتركيز على الحلول المستدامة وحماية المناخ.
أضرار بمليار يورو وسجال سياسي حول حدود الميزانية
وصف رئيس شركة التأمين ضد البرد والجفاف (Österreichische Hagelversicherung) تداعيات موجة الحر المستمرة بأنها “كارثة جفاف تاريخية” تضرب القطاع الزراعي النمساوي، حيث قُدِّرت الخسائر والأضرار الإجمالية حتى الآن بنحو مليار يورو. وعلى المستوى السياسي في العاصمة فيينا، يرافق هذه الأرقام سجال حاد حول تخصيص أموال المساعدات؛ فبينما وعد وزير الزراعة النمساوي Norbert Totschnig (عن حزب الشعب ÖVP) بتقديم دعم سريع لجميع المشروعات والشركات الزراعية المتضررة، ذكّر وزير المالية Markus Marterbauer (عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي SPÖ) بوضع الميزانية العامة الحرج.
وفي هذا الصدد، ترى وزارة المالية هامش حركة محدوداً للغاية في ما يتعلق بحزمة المساعدات المالية. ورداً على استفسار من وكالة الأنباء النمساوية (APA)، صرّح مكتب الوزير Markus Marterbauer بأن “الدعم الوحيد المقبول مبدئياً هو الدعم الذي يتحرك صراحةً في إطار الميزانية المعتمدة”. وأكد المكتب أنه لن تكون هناك “سياسة تقديم الدعم بأي ثمن كان (Koste-es-was-es-wolle)” لأسباب جوهرية ومبررة، مشيراً إلى أن الخيار الممكن يكمن في “إعادة توزيع الموارد والاعتمادات المالية داخل الميزانية المخصصة لوزارة الزراعة نفسها”. وفي الوقت الراهن، تنتظر وزارة المالية مقترحات ومخططات ملموسة من جانب حزب ÖVP بناءً على الطلبات الصادرة من وزارة الزراعة، مؤكدة في بيانها على ضرورة وضع “حلول مستدامة وطويلة الأجل لحماية المناخ”.
مفاوضات عاجلة وطاولة مستديرة لحسم حزمة الدعم
من جانبه، رجّح وزير الزراعة Norbert Totschnig التوصل إلى مفاوضات سريعة لاتفاق عاجل بين الوزارات المعنية. وأوضح الوزير في بيان رسمي قبل انطلاق اجتماع “الطاولة المستديرة” مع الخبراء وممثلي المزارعين والاتحادات الزراعية: “لقد تواصلت صباح اليوم فور الإعلان عن الأرقام الصادرة عن شركة التأمين ضد البرد (Hagelversicherung) مع وزير المالية، ونحن نبدأ الآن المفاوضات المباشرة والفعالية مع وزارة المالية”.
وأكد Norbert Totschnig أنه بات من الضروري والواضح “أن نحقق تحركاً وتقدماً سريعاً في هذا الملف”. وعلى الرغم من عدم الإعلان عن جدول زمني محدد حتى الآن لطرح حزمة المساعدات التي وعد بها الوزير Norbert Totschnig والمستشار الفيدرالي النمساوي Christian Stocker (عن حزب ÖVP)، أعلن وزير الزراعة أنه يعتزم تقديم طرح ملموس ومكتمل للبحث على الطاولة “خلال الأيام القليلة القادمة”.
خطة شاملة تتجاوز الميزانية الداخلية وتغطي غير المؤمّنين
ويرى Norbert Totschnig أن الشأن لا يمكن حسمه واحتواؤه فقط عبر عمليات إعادة توزيع الميزانية الداخلية للقطاع الزراعي، بل يتطلب الأمر “تدابير وإجراءات استثنائية في ظل هذا الوضع الاستثنائي” حتى من المنظور المالي والميزانياتي. وفي هذا السياق، ذكّر الوزير بما ينص عليه قانون صندوق الإغاثة من الكوارث (Katastrophenfondsgesetz)، والذي يحدد أن المخاطر القابلة للتأمين لا يجوز تغطيتها أو التعويض عنها بشكل مباشر من صندوق المساعدات ضد الكوارث.
وفي الوقت ذاته، تعهد الوزير بتقديم المساعدة للمزارعين الذين لا يمتلكون تغطية تأمينية، قائلاً: “إننا بحاجة إلى حزمة دعم تشمل جميع العائلات والمشاريع الزراعية”، مشيراً إلى أن الأمر يتعلق أيضاً بـ “دعم المزارع والشركات التي لم تشترك في التأمين في الوقت الراهن”. واستند وزير الزراعة في مبرراته إلى حجم الأزمة الراهنة، مقارناً إياها بسنة الحر والجفاف الاستثنائية في عام 2018، حيث بلغت الأضرار حينها 230 مليون يورو وتم استيعابها وتخفيفها بمبلغ 60 مليون يورو. وشبّه الوضع الحالي بتلك الفترة من حيث وجوب تقديم مساهمة ودعم يتجاوز حدود التغطية التأمينية العادية، مضيفاً: “أفكر على سبيل المثال في تقديم قروض ميسرة لتوفير مستلزمات التشغيل والمعدات الزراعية”.
تفاصيل الخسائر الزراعية وتفاوت نسب التأمين في المقاطعات
ووفقاً لبيانات شركة التأمين ضد البرد (Hagelversicherung)، يبلغ إجمالي الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي في مختلف المقاطعات النمساوية جراء موجة الجفاف المستمرة نحو مليار يورو، وتغطي شركة التأمين المتخصصة نحو 400 مليون يورو فقط من هذا المبلغ الإجمالي. وتتأثر بهذه الأزمة جميع المناطق والأنواع الزراعية في النمسا، ولا سيما الأراضي العشبية والمراعي التي تُقدّر خسائر المحاصيل فيها بنحو 45 بالمئة.
وفي الوقت الحالي، تخضع نحو 80 بالمئة من الأراضي الزراعية والمساحات المحروثة في النمسا للتأمين ضد الجفاف، بينما تبلغ هذه النسبة 40 بالمئة فقط بالنسبة للأراضي العشبية والمراعي. وكانت الحكومة الفيدرالية والمقاطعات النمساوية قد دعمتا أقساط التأمين في عام 2025 بمبلغ ناهز 160 مليون يورو (ما يمثل إعانة حكومية بنسبة 55 بالمئة).
تحذيرات اقتصادية ومواقف سياسية متباينة
وفي هذا السياق، حذر Franz Sinabell، الخبير والاقتصادي الزراعي في المعهد النمساوي للبحوث الاقتصادية (WIFO)، من صياغة حزمة المساعدات المقترحة بطريقة تجعل المزارعين المؤمّنين “يبدون وكأنهم الخاسرون أو الأغبياء” لمجرد التزامهم بدفع أقساط التأمين. واقترح تدابير عملية تشمل توسيع أسواق تداول الأعلاف وتأجيل سداد أقساط القروض الاستثمارية للمزارعين. ومن جانبه، أعلن Kurt Weinberger، رئيس شركة التأمين (Hagelversicherung)، رفضه لفرض التأمين الإجباري ضد الجفاف، مشيراً إلى أن هذا المقترح لا يحظى بأي “حماس” لدى العاملين في القطاع.
وعلى صعيد المواقف السياسية في المقاطعات، طالب كل من حاكمة مقاطعة النمسا السفلى Johanna Mikl-Leitner ونائبها Stephan Pernkopf (وكلاهما من حزب ÖVP) باتخاذ تدابير عاجلة و”استثنائية”. وفي المقابل، جدد الحزب الاشتراكي الديمقراطي SPÖ مطالباته بإقرار قانون طموح لحماية المناخ، بينما دعا حزب NEOS إلى تعزيز حماية التربة وتطبيق شعار “الوقاية قبل التعويض”.
انتقادات المعارضة ومطالب بحلول مناخية طويلة الأجل
على الجانب الآخر، وجه الأمين العام لحزب الحرية النمساوي FPÖ، السيد Michael Schnedlitz، انتقادات حادة وشديدة للوزير Markus Marterbauer بسبب موقفه المتردد حيال تقديم الدعم. كما طالت انتقادات حزب FPÖ حزب الشعب ÖVP، حيث صرّح الحزب بأنه يفتقد وجود “صرخة احتجاج وموقف قاطع” من وزير الزراعة Norbert Totschnig.
وفي غضون ذلك، حذرت Olga Voglauer، متحدثة الشؤون الزراعية في حزب الخضر (Die Grünen)، قائلة: “إن هذا الصيف ليس مجرد حالة استثنائية عابرة، بل إن الجفاف والحرارة ونقص المياه ستشكل ملامح قطاعنا الزراعي على نحو دائم”. وأكدت Olga Voglauer أن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن الحكومة الفيدرالية على علم بهذه المخاطر منذ فترة طويلة، مشددة على أنه لا مجال للشك في “أننا بحاجة الآن إلى ما هو أكثر وأعمق من مجرد تدابير وإجراءات مساعدات قصيرة الأجل”.