دراسة حديثة تكشف كثافة الخطاب الموالي لروسيا تحت قبة البرلمان النمساوي

النمسا ميـديـا – فيينا:
كشفت دراسة حديثة أعدها معهد “AIES” بتكليف من كتلة حزب “Neos” في البرلمان الأوروبي، عن مدى كثافة الخطاب الداعم لروسيا الذي يروجه حزب الحرية النمساوي “FPÖ”. وأظهرت الدراسة، التي حللت أكثر من 54 ألف كلمة ومداخلة في البرلمان الاتحادي النمساوي “Nationalrat” وبرلمانات الولايات “Landtage” بين عامي 2022 و2025، أن حزب “FPÖ” هو الحزب الوحيد في النمسا الذي يتصدر بوضوح ترويج الروايات والمواقف الموالية لروسيا والمناهضة للمساعدات المقدمة لأوكرانيا وللعقوبات الأوروبية فرضها الاتحاد الأوروبي.
تحليل شامل لـ 54 ألف كلمة ومداخلة برلمانية
شملت الدراسة التوثيقية تحليل 11,490 كلمة ومداخلة في البرلمان الاتحادي “Nationalrat”، إلى جانب 43,066 كلمة في ثمانية من برلمانات الولايات “Landtage”، واستُثني برلمان ولاية Vorarlberg لعدم توفر المداولات والمحاضر المكتوبة للفترة الممتدة بين عامي 2022 و2025.
وقد تولى إعداد هذه الدراسة المعهد النمساوي للسياسات الأوروبية والأمنية “AIES”، بتمويل من مكتب حزب “Neos” في البرلمان الأوروبي وعبر اعتمادات كتلة “Renew” الليبرالية. واعتمد الباحثون في تصنيف المداخلات على تقنيات الذكاء الاصطناعي مع مراجعة دقيقة وتدقيق دستوري يدوياً لضمان سلامة النتائج. ويُعرف معهد “AIES” بتوجهاته المحافظة؛ حيث يرأسه وزير الدفاع السابق Werner Fasslabend التابع لحزب الشعب النمساوي “ÖVP”، بينما يضم مجلس إدارته القيادي في حزب “FPÖ” السياسي Peter Fichtenbauer. وأكد المعهد أن الدراسة تقدم رصداً واقعياً وموضوعياً للخطاب البرلماني دون فرض أي تفسيرات سياسية انحيازية.
“FPÖ” يتصدر الخطاب المناهض للمساعدات والرافض للعقوبات
أظهرت النتائج بوضوح أن حزب “FPÖ” يمثل الفصيل السياسي الوحيد الذي ينشط بشكل حاد ضد تقديم المساعدات للجانب الأوكراني. واستطاعت الدراسة تحديد 17 كلمة برلمانية رسمية لحزب “FPÖ” تروج لهذه الأفكار، في مقابل 87 مداخلة من الأحزاب الأخرى حذرت من هذه الطروحات ودحضت حججها.
ويأتي ذلك امتداداً للتصريحات الحادة التي أطلقها رئيس حزب “FPÖ” السياسي Herbert Kickl في ديسمبر 2022، عندما هاجم الحكومة واصفاً قراراتها بشأن العقوبات بأنها “anhaltender Regierungsverrat an der Bevölkerung” (خيانة حكومية مستمرة بحق الشعب) و”Knieschuss-Sanktionen” (عقوبات التدمير الذاتي). كما وصف رئيس وفد الحزب في البرلمان الأوروبي Harald Vilimsky قبل أسابيع قليلة تلك الإجراءات بأنها “Sinnlos-Sanktionen” (عقوبات بلا معنى)، مؤكداً موقف الحزب الذي يعتبر تقديم الدعم لأوكرانيا فرضاً للعقوبات أمراً عديم الفائدة رغم إدانته الشكلية للحرب الروسية.
خمس روايات رئيسية مستمدة من تقرير حماية الدستور
اعتمدت الدراسة في تصنيف المواقف على خمس روايات رئيسية تضمنها تقرير حماية الدستور لعام 2024 “Verfassungsschutzbericht 2024″، والذي صنف هذه الأطروحات باعتبارها الأنماط التفسيرية الأكثر تأثيراً والموالية لروسيا في الفضاء الإعلامي النمساوي.
وتشمل الكليات التي جرى فحصها ادعاءات حزب “FPÖ” بأن تقديم الدعم والخدمات للإدارة الأوكرانية بعد الهجوم الروسي “لا يؤدي إلا إلى إطالة أمد الحرب والتسبب في مزيد من المعاناة” (zusätzliches Leid). وعلى صعيد العقوبات الاقتصادية، ركزت أطروحات الحزب على تصويرها كإجراءات غير فعالة وتلحق الضرر بالمواطنين الأوروبيين بنسبة أكبر بكثير مما تؤثر به على الاقتصاد الروسي.
تباين مواقف الأحزاب وملاحظات حول تقارب الخطاب مع الكرملين
أبرزت الدراسة تمايزاً واضحاً بين الأحزاب النمساوية؛ ففي حين يسوق حزب “FPÖ” حججاً تخدم المصالح الروسية، تتصدى أحزاب “Grüne” و”Neos” و”ÖVP” لهذه الطروحات بصرامة. أما بالنسبة لحزب “SPÖ”، فقد سجل الباحثون عدداً محدوداً جداً من الحالات التي تتماشى مع هذه الروايات. كما أظهر التحليل أن الذروة الكبرى لهذه النقاشات البرلمانية شهدتها سنتا 2022 و2023 عقب الغزو الشامل لأوكرانيا.
وفي تعليقه على نتائج الدراسة التي بادر بإطلاقها، صرح عضو البرلمان الأوروبي عن حزب “Neos” الصحفي السابق Helmut Brandstätter -الذي ينشط في البرلمان الأوروبي منذ عام 2024 ويتابع ملفات حملات التضليل وحرب أوكرانيا- قائلاً: “من المثير للقللق أن يتم التغاضي ومناقشة التأثير الروسي بهذا القدر الضئيل داخل أوروبا”.
وعزا Helmut Brandstätter تبني حزب “FPÖ” لهذه الروايات إلى عدة أسباب، أبرزها وجود إعجاب بالنظام الإستبدادي تحت قيادة Wladimir Putin، مذكرًا بمعاهدة الصداقة التي أبرمها حزب “FPÖ” عام 2016 مع حزب الكرملين “Vereintes Russland”. وأشار أيضاً إلى وجود تقارب زمني وموضوعي لافت بين ما يطرحه ممثلو “FPÖ” في البرلمان الأوروبي وما يصرح به وزير الخارجية الروسي Sergey Lawrow، مكرراً تحذيره من تراجع التوافق المجتمعي الواسع الذي كان سائداً حول قيم النموذج الأوروبي.