النمسا على طريق “التجرد الجليدي”.. تحذيرات من اندثار متسارع للأنهار الجليدية في الألب

النمسا ميـديـا – تيرول:
تواجه الجبال النمساوية تراجعاً غير مسبوق في غطائها الجليدي، حيث حذرت عالمة الجليد النمساوية Andrea Fischer من أن النمسا باتت تسير بخطى سريعة نحو “تجريد كامل من الأنهار الجليدية” (Entgletscherung). ويأتي هذا التحذير عقب تسجيل درجات حرارة قياسية خلال الصيف الماضي وتسارع وتيرة ذوبان الثلوج بشكل يفوق التوقعات العلمية، وفقاً لما وثقه أحدث جرد علمي للأنهار الجليدية في البلاد الصادر عن فريق من الباحثين في Österreichische Akademie der Wissenschaften (ÖAW) في Innsbruck ونُشر في المجلة العلمية المتخصصة The Cryosphere.
فقدان ثلث المساحة الجليدية واندثار عشرات الكتل الثلجية
وثق فريق من باحثي الجليد النمساويين بقيادة Lea Hartl من Institut für Interdisziplinäre Gebirgsforschung (IGF) التابع لـ ÖAW في Innsbruck، تفكك الأنهار الجليدية المتسارع ونشروا نتائجهم في المجلة العلمية المتخصصة The Cryosphere ضمن الجرد الجديد للأنهار الجليدية النمساوية. وتظهر القياسات والتحليلات الشاملة أنه منذ منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فقدت البلاد نحو ثلث إجمالي مساحة أنهارها الجليدية. كما اختفت كلياً بحلول عام 2023 زهاء مئة كتلة جليدية صغيرة. وأكدت عالمة الجليد Andrea Fischer في حديثها مع وكالة الأنباء النمساوية (APA) من على نهر Jamtalferner الجليدي — الذي كان يُعد سابقاً واحداً من أكبر 30 نهراً جليدياً في النمسا — أن هذه العملية تسارعت بشدة منذ ذلك الحين.
تراجع سريع واختفاء ألسنة الجليد في منطقة Silvretta
في المنطقة التي كان بإمكان الزوار والسياح المشي فيها على الجليد المكشوف قبل ثلاثة أعوام فقط (أواخر أغسطس) في منطقة جبال Silvretta، تنتشر اليوم النباتات الرائدة الأولى في التربة المكشوفة. وإذا أراد المرء البحث عن جليد حقيقي غير مغطى بالركام والحصى، فعليه النظر بعيداً نحو القمم العالية مثل قمة Dreiländerspitze التي يبلغ ارتفاعها 3,197 متراً، الواقعة بين ولايتي تيرول و فورارلبرغ ودولة السويسرية (Schweiz). وأوضحت Andrea Fischer أن لسان الجليد الذي كان ضخماً وممتداً خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، لم يعد له وجود فعلي بعد درجات الحرارة القياسية الصيفية وفترة الجفاف الشديدة الممتدة منذ نحو عام.
وتيرة ذوبان تتجاوز التوقعات العلمية
تتطور عمليات الذوبان والتفكك حالياً بسرعة لم يكن الخبراء يتوقعونها قبل بضع سنوات فقط. وأظهر التوثيق والجرد الجليدي أنه في عام 2005 بلغت مساحة الأنهار الجليدية نحو 415 كيلومتراً مربعاً، بينما انخفضت في الفترة بين عامي 2021 و2023 إلى نحو 285 كيلومتراً مربعاً فقط، مع تسارع مؤشرات التراجع والانخفاض بشكل ملحوظ. وأشارت Andrea Fischer إلى أنه حتى وقت قريب كان يُعتقد أن الوضع لا يمكن أن يزداد سوءاً، إلا أن هذا العام، وخاصة في منطقة Silvretta، كان أكثر سلبية بكثير، مؤكدة أن نهر Jamtalferner والعديد من الأنهار الجليدية الأخرى دخلت مرحلة “التفكك الكامل”، حيث تتجزأ إلى كتل منفصلة تتآكل وتضمحل باطراد.
تداعيات حادة على منسوب المياه والأنهار
نظراً لأن ألسنة الجليد السميكة قد اختفت تقريباً في العديد من المواقع ولم تعد مناطق التغذية الجليدية قادرة على التجدد، فإن إجمالي التدفق المائي الناتج عن ذوبان الجليد بدأ بالانخفاض، مما يعني تراجع مساهمة الأنهار الجليدية في التوازن المائي العام. وبينما كان يُعتقد سابقاً أن “التغذية الجليدية” خلال أشهر الصيف ليست ذات أهمية حاسمة لمستويات مياه الأنهار في النمسا، أثبت هذا العام بجفافه الشديد ومعدلات التبخر العالية الناتجة عن درجات الحرارة القياسية أن هذه التغذية الجليدية تلعب دوراً ببالغ الأهمية.
مخاطر على محطات الطاقة، الملاحة والمناطق السكنية
يترتب على هذا التراجع الشديد تدفق كميات كبيرة من الترسبات الصخرية والحصى مع المياه، ما يتسبب في أضرار لتوربينات محطات توليد الكهرباء الكهرومائية، ويتراكم في نهر Donau وغيره من الأنهار، مما يعيق حركة الملاحة النهرية ويقلل من فاعلية حمايات وتدابير الفيضانات. علاوة على ذلك، تتغير درجات حرارة المياه والنظام البيئي في الشبكات النهرية. وأكدت Andrea Fischer أنه أمام هذا المشهد الدرامي، يجب الاستمرار في المراقبة والرصد العلمي القائم على أسس صلبة للكتل المتبقية؛ إذ تترك الأنهار الجليدية المتراجعة كميات هائلة من الركام والحصى التي يمكن لأمطار الصيف الغزيرة تحريكها بسهولة وتحويلها إلى انزلاقات طينية وحجرية خطيرة (Muren).
عدم استقرار الجبال وتهديد المناطق السكنية
تتحول المواد الصخرية والترابية التي لم تعد مثبتة بالجليد أو تحته بسرعة إلى مصدر خطر جلي على الأودية المجاورة. كما أدى ذوبان التربة الصقيعية (Permafrost) في المرتفعات العالية بسبب التغير المناخي إلى زعزعة استقرار المنحدرات والجبال، حيث حذرت Andrea Fischer من أن “تأثيرات تحركات الكتل الصخرية والانهيارات في هذه المناطق قد تصل إلى المناطق السكنية المأهولة”. وأوضحت أن استقرار المنطقة يتطلب الوصول إلى “توازن جديد” خلال العقود القادمة، ولن تستقر الأوضاع حتى تغطي النباتات نحو 80% من المساحات المكشوفة، مؤكدة أن الأمر يستغرق عدة سنوات حتى تهدأ هذه المناطق وتستقر طبيعياً.