18 يوماً في الظلام دون طعام أو ماء.. فضيحة الشرطة النمساوية التاريخية التي هزت فورارلبرغ عام 1979

النمسا ميـديـا – فورارلبرغ:
في واحدة من أكبر الفضائح التاريخية التي شهدتها ولاية فورارلبرغ (Vorarlberg) عقب الحرب العالمية الثانية، كشفت شبكة ORF Vorarlberg عبر سلسلة بودكاست جديدة تفاصيل حادثة مأساوية تعود إلى الأول من أبريل عام 1979، عندما نسي عناصر الجندرمة شاباً نمساوياً يبلغ من العمر 18 عاماً داخل زنزانة احتجاز بلدي (Gemeindearrest) في قبو بلدية Höchst، ليبقى محتجزاً في الظلام التام لمدة 18 يوماً متواصلة دون طعام أو ماء، قبل أن يتم اكتشافه بالصدفة وهو على قيد الحياة.
حادث سير روتيني يقود إلى قبو الاحتجاز
بدأت الوقائع باحتجاز روتيني في 1 أبريل 1979، عندما كان عناصر جندرمة Höchst مشغولين بحادث سير خطير اشتركت فيه ثمانية أطراف، مما دفعهم لطلب الدعم من دورية منطقة Hard لتغطية حادث آخر في Fußach. وهناك، أوقفت الدورية رجلين بعد انحراف سيارتهما وسقوطها في حفرة بموقع أعمال بناء. وبعد ثبوت إيجابية فحص الكحول لدى السائق، تم فصلهما؛ فبينما خضع السائق للتحقيق، اقتيد مرافقه وهو شاب نمساوي يعمل كمتدرب (Lehrling) يبلغ من العمر 18 عاماً وينحدر من Bregenz، إلى زنزانة احتجاز مؤقتة في قبو مبنى البلدية (Gemeindeamt).
ثلاثة ضباط وإهمال جسيم تجاهل بلاغ الاختفاء
وكان ثلاثة من عناصر الجندرمة مسؤولين عن عملية الاحتجاز، حيث افترض كل واحد منهم أن أحد زملائه الآخَرين قد أطلق سراح الشاب بالفعل. وعلى الرغم من تقديم والدة الشاب بلاغاً رسمياً عن اختفائه ومتابعتها الحثيثة للبحث عنه، إلا أن استفساراتها لم تسفر عن شيء. وخلال فترة الـ 18 يوماً، لم يدخل أي شخص إلى القبو، سواء للوصول إلى زنزانة الاحتجاز أو إلى المستودع المجاور المخصص للدراجات الهوائية المسروقة.
ظروف قاسية داخل “الكوتار” وصراع من أجل البقاء
كانت زنزانة الاحتجاز في Höchst والمعروفة بـ “Kotter” عبارة عن قبو سابق لتخزين عصير التفاح (Mostkeller) بمساحة تبلغ نحو 15 متراً مربعاً بارتفاع قامة الإنسان، وتضم خشبين للنوم (Pritschen) ودلو بلاستيكي. وكانت النافذة مسدودة بالطوب، بينما لم يقم العناصر بتشغيل نظام التهوية أو التدفئة. ووفقاً للتقارير، فإن برودة المكان قد ساهمت في إنقاذ حياة الشاب عبر تقليل فقدان جسمه للسوائل. وقد تمكن الشاب من البقاء على قيد الحياة عن طريق لعق وتناول التكثف المائي (Kondenswasser) المتجمع على الجدران.
إنقاذ بالصدفة بعد فقدان الإدراك بالزمن
وأوضحت والدة الشاب في مقابلة حصرية سابقة مع ORF أن ابنها احتفظ بإدراكه للوقت خلال الأيام الستة الأولى فقط، واعتمد على أصوات أجراس الكنيسة للتعرف على عيد الفصح، قبل أن يفقد تماماً القدرة على التمييز بين الليل والنهار، حيث دفعه الجوع الشديد إلى قطع الأجزاء الجلدية من بنطاله الجينز ومضغها. وفي 18 أبريل 1979، وأثناء محاولته الشرب من دلو البول بسبب الضعف الشديد، سقط الدلو من يده وسال محتواه تحت باب القبو، ليمر عنصر جندرمة بالصدفة بالقرب من المكان ويشم الرائحة، مما قاده إلى فتح الباب وإنقاذ الشاب المنكوب ونقله فوراً إلى مستشفى Landeskrankenhaus Bregenz حيث استغرق تعافيه عدة أسابيع.
عقوبات مالية، تعويضات، وتغييرات قانونية شاملة
خلال المحاكمة الجنائية، تبادل عناصر الجندرمة الثلاثة الاتهامات، وصدر بحقهم حكم بالقضية بتهمة الإهمال الجسيم في أداء الواجب (grobe Fahrlässigkeit im Amt) وقُضي بغرامة مالية تعادل نحو 2,000 يورو لكل منهم. وبعد عامين، حكمت محكمة مدنية لصالح الضحية بتعويض مالي قدره 250,000 شلن نمساوي (ما يعادل نحو 49,000 يورو بحسب القيمة الحالية). وعلى خلفية هذه الكارثة، أصدر وزير الداخلية النمساوي آنذاك Erwin Lanc توجيهاً يلزم بإغلاق أو تعديل كافة زنزانات الاحتجاز البلدي في عموم النمسا، وحظر استخدامها ما لم تكن مزودة بنظام جرس إنذار يمكن المحتجزين من طلب المساعدة.
من فضيحة عالمية إلى موسوعة جينيس وسلسلة بودكاست جديدة
أثارت القصة صدمة واسعة حول العالم، وسُجلت الحادثة في كتاب Guinness للأرقام القياسية كأطول فترة بقاء على قيد الحياة لإنسان دون طعام أو شراب. واليوم، أعاد الصحفيان Dominic Dapré وChristian Suter من ORF Vorarlberg بالتعاون مع المنتج Marc Spagolla فتح ملف القضية بعد أشهر من البحث والتحقيق الصريح لتسليط الضوء على حقائق جديدة ضمن سلسلة بودكاست من 7 حلقات بعنوان “Vergessen im Knast”.