برنامج “الثورة الذهنية” يناقش: هل تصنع الآلة صانعها وهل يمكنها أن اتحب وتكره؟

النمسا ميـديـا – فيينا:
قدمت منصة “النمسا ميديا” ضمن برنامجها الفكري “الثورة الذهنية”، حواراً تحليلياً موسعاً أداره الناقد الإعلامي علي الحسن مع الدكتور منصور الجنادي، لمناقشة التداعيات الفلسفية للذكاء الاصطناعي والتحولات الكونية المتسارعة انطلاقاً من تساؤل إشكالي طرحه الأخير في صحيفة “المصري اليوم”: “هل يمكن أن تحب الآلة وتكره؟”، بهدف تشخيص الأزمة المعرفية في العالم العربي وتقديم استراتيجيات علمية لمواكبة عصر “الاقتصاد الذهنوي” بعيداً عن الاستهلاك التكنولوجي السطحي.
الفلسفة في عصر التكنولوجيا.. علم السؤال والبحث عن المصير
لم يأتِ طرح هذا التساؤل المعقد في سياق الإثارة الصحفية العابرة، بل استند إلى تشخيص استراتيجي للتحولات الكونية التي تعصف بالعالم عبر ستة أبعاد رئيسية؛ تشمل التكنولوجيا، البيئة، السياسة، الاقتصاد، حركة الهجرة العالمية، ومنظومة القيم والأخلاق. ويبرز البعد التكنولوجي كالمحرك الأقوى لإعادة صياغة “فلسفة الحياة اليومية” للبشرية. وفي هذا السياق، لم تعد الفلسفة مجرد أداة لتقديم إجابات جاهزة، بل استقرت بوصفها “علم السؤال” القادر على تحديد موقع الإنسان في المستقبل، وما إذا كان التطور سيفضي إلى انقسام طبقي حاد بين مجتمعات تملك “السيادة المعرفية” وأخرى ترزح تحت “العبودية التكنولوجية”. ويبرز هنا التساؤل المحوري الأعمق: هل ستصنع الآلة صانعها من خلال تخليق كيان رقمي قادر على إدارة الحياة اليومية ومحاكاة الانفعالات البشرية بكفاءة تامة؟
التشريح العصبي والمحاكاة.. كيف تُصنع عواطف الذكاء الاصطناعي؟
لم ينبثق الذكاء الاصطناعي من فراغ هندسي، بل كان ثمرة مباشرة لـ “الثورة الذهنية” (The Cognitive Revolution) التي تضافرت فيها خمسة علوم أساسية: علم النفس، علم أعصاب المخ، علم اللسانيات، الأنثروبولوجيا، والفلسفة. وقد مكّن هذا التلاقح من تصميم خوارزميات تحاكي التشريح الوظيفي للمخ البشري الذي يضم نحو 86 مليار خلية عصبية (Neurons) وبليارات التشابكات. وبحسب التحليل المقارن، فإن المشاعر والأفكار لدى الإنسان ليست أعضاء مستقلة، بل نتاج كثافة هذه التشابكات المعقدة. وبالمثل، تُبنى الشبكات العصبية الاصطناعية (ANNs) لتوليد مخرجات تحاكي التعبيرات العاطفية، حيث يمكن للآلة، بناءً على المعالجة الفائقة، إظهار “سلوك تعاطفي” دقيق وعملي قد يتفوق في سرعة استجابته وإفادته على الانفعال البشري العشوائي.
“الاقتصاد الذهنوي” وصراع الهيمنة والتكنولوجيا
أدى هذا التماثل التشريحي والوظيفي إلى ولادة نمط اقتصادي جديد يُعرف بـ “الاقتصاد الذهنوي” (Cognitarianism)، لينتقل مركز الثقل العالمي من اقتصاد الماديات والموارد الطبيعية التقليدية إلى عصر “الاستثمار في البيانات المعرفية”. وفي هذا العصر، أضحت بيانات المخ البشري المورد الأثمن، وتحددت خريطة النفوذ الدولي بقدرة الدول والشركات على النفاذ التكنولوجي إلى العقول. وهنا يتجلى الصراع الجيوسياسي المحموم، لاسيما بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، حول صناعة الرقائق الإلكترونية (Microchips)، بوصفها البنية التحتية الصلبة التي تحل محل التفاعلات الكيميائية العصبية لتوليد التشابكات والأفكار الاصطناعية.
أزمة “أريحية العارف” والتشتت المعرفي في العالم العربي
في مقابل هذا التسارع العالمي، يواجه الفكر العربي معضلة أبستمولوجية حادة، تتجلى في ما يُعرف بـ “أريحية العارف” (Epistemic Complacency)، وهي حالة من الاستعلاء الوهمي وادعاء امتلاك الحقيقة دون تثبت منهجي، مما يعطل الفضول العلمي والتفكير النقدي. وإلى جانب ذلك، يعاني العقل الجمعي العربي من تشتت بين التفكير التجريبي المعملي والتفكير الغيبي، بخلاف الدول المتقدمة تكنولوجياً التي أوجدت تمييزاً صارماً يحدد متى يتم الاحتكام للمعمل في إدارة الاقتصاد، ومتى يُترك المجال للغيبيات والمعتقدات الروحية، دون خلط يعيق التقدم المادي.
أولويات المواكبة.. الفلسفة وعلوم الذهن قبل الخطط التنموية
للانتقال من هامش الاستهلاك إلى قلب الفاعلية التكنولوجية، يطرح الحوار ضرورة إعادة ترتيب الأولويات العربية، بدءاً من إرساء فلسفة أبستمولوجية تسبق الخطط التنموية والاقتصادية، اقتداءً بالنماذج الناجحة كاليابان وكوريا الجنوبية. كما يُعد الانتقال من مجرد تدريس لغات البرمجة إلى التأسيس لـ “علوم الذهن” (Cognitive Sciences) في المؤسسات التعليمية خطوة حتمية؛ فلا يمكن صنع أنظمة ذكية من قبل مجتمع يجهل التشريح الوظيفي لعقله. ويستلزم ذلك صياغة سياسة تعليمية ثابتة تستند إلى “نظرية المعرفة” لحماية قطاع التعليم من الارتجالية والتخبط.
تساؤل مفتوح نحو المستقبل.. هل نصل إلى الوجدان الرقمي؟
يخلص هذا الحوار التحليلي إلى أن امتلاك البيانات والرقائق هو معيار السيادة في العصر الحديث، وأن الثورة الأبستمولوجية في التعليم هي بوابة العبور نحو المستقبل. ويبقى التساؤل الاستراتيجي مشرعاً أمام النخب والجمهور: هل سيشهد المستقبل القريب تحولاً بنيوياً في الذكاء الاصطناعي يفضي إلى نشوء علاقة وجدانية وحميمية متبادلة بين الإنسان والآلة، خاصة مع تصاعد قدرة الأنظمة الذكية على تحليل وفهم مدخلات السلوك البشري بدرجة قد تفوق فهم الإنسان لذاته؟